- قيادة مجلس التعبئة والاسناد تعايد أبطال الجيش والمقاومة المرابطين في جبهات مأرب
أيّ خيارات للحلفاء في اليمن؟
أراء| 28 مارس, 2025 - 3:17 ص
تعتمل مفاعيل العملية العسكرية الأميركية المستمرّة في اليمن من حيث أهميتها السياسية، وأيضاً أبعادها العسكرية، في موازين القوة بين الفرقاء اليمنيين في الأرض، ومن ثمّ تأثيرها في خريطة الصراع المحلّي، وإنْ من المبكّر التكهّن بذلك، والأكثر أهمية تأثير آليات الردع الأميركية ضدّ جماعة الحوثي على خيارات الفاعلين الإقليميين في اليمن، سواء في سياق التحدّيات التي تخلقها أو المكاسب المتأتّية منها.
خضعت اليمن، بلداً ينشط فيه وكلاء متعدّدون، لاستراتيجية حلفائهم في إدارة نفوذهم، فبعيداً عن جذر الصراع المحلّي، وثقل الوكلاء، مع تباين شروط القوة وأيضاً علاقتهم بحلفائهم، التي تتيح مجال الفاعلية والتأثير أو تقيّده، فقد صادر الفاعلون الإقليميون قرار الوكلاء، وترتّب عليه ربط المسألة اليمنية بأجندات أولئك الفاعلين السياسية، ومن ثمّ تحويل اليمن منطقةَ نفوذ إقليمي متعدّد الأقطاب.
فإلى جانب السعودية، التي تدير وكلاء ينضوون في سلطةٍ توافقية، تشكّل إيران، حليف جماعة الحوثي، الضلع الثاني في معادلة النفوذ في اليمن، فضلاً عن دولة الإمارات التي تهيمن على وكلاء رئيسيّين في منظومة السلطة التوافقية، وفي حين حكم الصراع السعودي - الإيراني مسارات الحرب، في مقابل التنافس السعودي- الإماراتي في جنوب اليمن، شكّلت العلاقة مع الولايات المتحدة مستوىً آخر ينظّم (أو يصعّد) التوتّرات بين الفاعلين ووكلائهم.
وإذا كان التوافق السعودي - الإيراني، وتفاهمات السعودية مع جماعة الحوثي، قد عطّلا تهديدات الجماعة ضدّ السعودية، فإنهما أيضاً أدّيا إلى ضبط معادلة الصراع بين الوكلاء. في مقابل تثبيت سلطتهم التي تقتسم الجغرافية اليمنية، إلا أن زحزحة النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتشدّدة حيال إيران، التي انتقلت إلى مستوىً أكثر حدّيةً مع العملية العسكرية الأميركية التي تستهدف القضاء على جماعة الحوثي، تشكّل متغيّراً عسكرياً وسياسياً بالنسبة إلى السعودية والإمارات في إدارة المسألة اليمنية، إذ تُحدث ديناميكياتٍ جديدة من خلال نتائج آليات الردع الأميركية على الجماعة، التي تعني فرصةً متاحةً لزحزحة النفوذ الإيراني في اليمن، من خلال إضعاف وكيلها، وشلّ قدرته العسكرية.
تترابط ضرورات حماية المجال القومي، وأيضاً تعضيد الهيمنة الإقليمية في توجيه خيارات السعودية في اليمن، وإذا كانت مسارات الحرب الأهلية قد عكست قوة جماعة الحوثي، في مقابل تحجيم وكلاء السعودية، فإن التوتّرات الجيوسياسية في المنطقة المترتبة على حرب الكيان الإسرائيلي في قطاع غزّة، وتحوّل الجماعة قوةَ إسنادٍ للمقاومة الإسلامية في غزّة، وحليفاً استراتيجياً لإيران، فضلاً عن تعطيلها الملاحة في البحر الأحمر، فرض على السعودية تكييف خياراتها مع التحدّيات التي تشكّلها الجماعة، أمنياً وعسكرياً واقتصادياً أيضاً.
إلا أن تصعيد الإدارة الأميركية عملياتها العسكرية ضدّ الجماعة، وإن شكّل تحوّلاً في آليات الردع، ومن ثمّ فرصةً مناسبةً للسعودية لاستثمار هذه المتغيّرات لتحجيم القدرة العسكرية للجماعة، ووقف تهديدات، فإنه يُحدث تحدّياتٍ إضافية عليها، سواء في إدارة علاقتها بإيران أو بالجماعة، إذ إن تماهي السعودية مع سياسة الردع الأميركية ضدّ الجماعة تحكمه (إلى حدّ كبير) علاقتها مع إيران، ومفاعيل هذه العلاقة وحدودها.
ومن جهة ثانية، قد يضاعف التصعيد الأميركي مستويات المخاطر التي تتهدّد السعودية، بما في ذلك تحويلها هدفاً محتملاً للجماعة، إلى جانب تأثير التصعيد الأميركي في اليمن في الدبلوماسية السعودية في الإقليم، ومن ثمّ على مصالحها السياسية والاقتصادية.
في المقابل، يطرح التصعيد الأميركي في اليمن تحدّياتٍ أخرى في ما يخصّ آلية ردع الجماعة ومقدار انخراط السعودية في ذلك، فإلى جانب الجوار الجغرافي لليمن، الذي يعني أيّ تصعيدٍ عسكريٍّ هناك يُنتج تهديداتٍ أمنية على حدودها، فإن امتلاكها وكلاءَ محلّيين في اليمن قد يجعلها عرضةً للضغوط الأميركية لتبنّي دور فاعل في سياق ردع الجماعة.
كما أن استمرار أزمة الملاحة يفرض على السعودية، وهي دولةٌ مطلّةٌ على البحر الأحمر، التعاطي مع السياسة الأميركية في تقييد تهديدات الجماعة، ومن ثمّ مستويات أخرى من التحدّيات، وأيضاً المخاطر، فضلاً عن جدوى سياسة الردع الأميركية ضدّ الجماعة في تأمين مصالح السعودية وحمايتها من تهديدات الجماعة.
استجابة للتوترات الإقليمية الحالية، تبنّت السعودية سياسةً حذرةً تجاه التصعيد الأميركي، سواء ضدّ إيران أو ضدّ جماعة الحوثي. فمن جهةٍ، وبعد أكثر من أسبوعين، من العمليات العسكرية الأميركية، حيّدت السعودية نفسها عن أهداف العمليات وتبعاتها، لتجنّب أيّ أعمالٍ عدائيةٍ تطاولها من الجماعة، ومع أن الغارات الأميركية على مدينة صعدة، وقرب الحدود السعودية، رفعت مستويات التهديدات في حدودها، بما في ذلك استمرار شلّ حركة الملاحة في البحر الأحمر.
لكن استئناف الكيان الإسرائيلي حربه في قطاع غزّة لا يمنح جماعة الحوثي أرضيةً لاستمرار هجماتها، سواء ضدّ إسرائيل (ومن ثمّ ضدّ أميركا) فقط، بل يقوّض الدبلوماسية السعودية التي اتبعتها في بلورة موقف عربي حيال مستقبل قطاع غزّة، بما يتقاطع مع الرؤية الأميركية والإسرائيلية في تحجيم حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وبالتالي مع حلفائها في المنطقة، من ثمّ يطيح التصعيد الإسرائيلي في غزّة، وأيضاً الأميركي ضدّ جماعة الحوثي، بإمكانية تحقيق استقرارٍ في المنطقة، والأكثر أهميةً أنه يضاعف من قوة قوى المقاومة، منها جماعة الحوثي.
ومن جهة ثانية، ومع تقاطع الاستراتيجية الأميركية والسعودية في تعطيل نفوذ إيران وحلفائها في المنطقة، لكن افتقارها إلى القدرة العسكرية والدفاعية سواء بتحقيق توازن عسكري مع إيران أو حماية مصالحها من تهديدات وكيلها في اليمن، يجعل السعودية الطرف الخاسر في استراتيجية الردع الأميركي، ومن ثمّ تشكّل العملية الأميركية ضدّ الجماعة.
وفي هذا التوقيت، تحدّياً حقيقياً، وربّما غير مسبوقٍ في ما يخص دبلوماسية السعودية في إدارة الملفّ اليمني، سواء من حيث مستقبل العملية العسكرية الأميركية ضدّ الجماعة، ومستويات انخراط السعودية، عسكرياً أو سياسياً في دعمها، أو بنتائج سلاح العقوبات الاقتصادية الأميركية ضدّ الجماعة، ودور السعودية في فرض الحصار الاقتصادي.
ومن ثمّ قد تلجاً السعودية إلى خيارٍ يوازن بين حساباتها الأمنية وعلاقاتها مع حليفها الأميركي، بمنح وكلائها في اليمن خيار مواجهة الجماعة، وإن كان العامل الحاسم هنا هو مستقبل الضغط الأميركي على السعودية في الملفّ اليمني، وبالطبع في وسائل القضاء على الجماعة.
لا تعني محدودية القوة العسكرية وقيود الجغرافية في ما يخص الطموح الإماراتي إعاقة تثبيت نفوذها الإقليمي، مستفيدةً (كالعادة) من فعالية وكلائها المحلّيين، والأكثر أهميةً استثمار المتغيّرات الحالية لبناء تحالفات إقليمية ودولية أمنية، إذ إن تعضيد علاقتها الدبلوماسية مع إسرائيل، وأيضاً تنمية علاقة سياسية واقتصادية وأمنية مع الإدارة الأميركية، تتيحان لها أكثر من غيرها أن تتحوّل طرفاً في معادلة استهداف قوى المقاومة الموالية لإيران في المنطقة، والأكثر أهميةً في اليمن.
فمن جهة، يعني تبنّي الإدارة الأميركية لسياسة ردع جماعة الحوثي تدويل تهديداتها لأمن المنطقة والملاحة الدولية، ومن ثم تغيير آلية الردع، وأيضاً مستويات تدخّل اللاعبين في إدارة المسألة اليمنية، فإلى جانب أن خوض حرب مفتوحة ضدّ الجماعة قد يغيّر قواعد الاشتباك في الأرض، ومن ثمّ يقدّم فرصةً لاستثمار هذه المتغيّرات لصالح الإمارات وحلفائها.
فإن دخول الإدارة الأميركية طرفاً دولياً في المسألة اليمنية، من زاوية القضاء على تهديدات الجماعة، يعني نقل المسؤولية الأمنية، وبالتالي العسكرية للإدارة الأميركية، ومن ثمّ تقليص دور السعودية في هذه المرحلة، في مقابل منح الإمارات أفضليةً على منافسها الإقليمي، فلأنها لا ترتبط بحدود جغرافية مع اليمن، يوفّر لها هذا الامتياز إمكانية لعب دور أكبر في خوض معركة إسنادية لردع الجماعة، ومن دون مخاوف من استهداف مصالحها المباشرة.
كما تراهن الإمارات على الامتيازات التي راكمتها في اليمن لردع الجماعة، فإضافة إلى سيطرتها على الجزر اليمنية، من جزيرة سقطرى إلى جزيرة عبد كوري، واستحداثها منشآت عسكرية جديدة، الذي يجعلها طرفاً إقليمياً فاعلاً في معركة تأمين السواحل والجزر اليمنية، فإن سقوط السيادة اليمنية على معظم الجزر اليمنية، وإشراف الإمارات عليها، يجعلها نقطة عبور عسكري وأمني متعدّدة الجنسيات إلى الجزر اليمنية الاستراتيجية.
ويوفّر لأميركا، وأيضاً لإسرائيل، غطاءً عسكرياً وسياسياً أيضاً لتغيّر المعادلة الأمنية في الجزر والممرّات المائية اليمنية، لتطويق تهديدات الجماعة، إضافة إلى سيطرة وكلائها على السواحل والممرّات اليمنية، ولو اسمياً، فإلى جانب تمركز وكلائها في مضيق باب المندب، فإن سيطرة وكلائها على المناطق المتاخمة لسلطة الجماعة في مدينة الحديدة، التي تشكّل ضلع الزاوية في سياسة الردع الأميركية، بما في ذلك تأمين الملاحة في البحر الأحمر، يمنح الإمارات موقعاً متقدّماً على الحلفاء الآخرين لخوض معركة الدعم والإسناد، وذلك بالطبع بمقتضى الضوء الأميركي لحلفائها ومآلات العملية العسكرية ضدّ الجماعة.
مقالات ذات صلة
أراء | 31 مارس, 2025
أصعب أيام المرشد
أراء | 30 مارس, 2025
الإمارات إذ ترى في الضربات الأمريكية فرصة لتعزيز نفوذها في اليمن
أراء | 24 مارس, 2025
من لم يقبل الحقيقة من الصديق الودود قبلها من العدو اللدود
أراء | 17 مارس, 2025
إيران و"المشاهد المؤلمة" وساعة القرار
أراء | 17 مارس, 2025
أميركا واستراتيجية عقاب الحوثيين