يدور في أروقة المنظمة البحرية الدولية (وكالة تابعة للأمم المتحدة، وغايتها سلامة العمل البحري، وأمنه، وفعاليته في محيطات نظيفة) حديث خافت عن مساعٍ إيرانية لإدراج البحر الأحمر ضمن المناطق البحرية شديدة الخطورة. ولم تكشف المنظمة عن هذه المساعي، رسميًا؛ والمتوقع أن يناقش الطلب الإيراني في اجتماع لمجلس رئاسة المنظمة، في الشهر المقبل (إبريل/ نيسان) في مقرها في لندن. وفي حالة الإجماع على ذلك، يحال الموضوع إلى جهة مختصة بالتصنيف.
 
تأتي هذه المساعي في ظرفٍ تتعرّض فيه السفن الإيرانية لهجمات وأعمال تخريب، في المنطقة الممتدة من بحر العرب، مرورا بالبحر الأحمر، وحتى البحر الأبيض المتوسط، وما تثيره إيران بشأن مضايقات البحرية الأميركية للسفن والبحارة الإيرانيين في هذه المناطق، إلى حدٍ تبلغ معه هذه المضايقات تهديد سلامة السفن وأمن طواقمها. وفي مقابل ذلك، تتعرّض السفن والموانئ النفطية السعودية في البحر الأحمر لهجمات متواصلة بالصواريخ والطائرات والزوارق غير المأهولة، من جماعة الحوثي التي تدعمها إيران، نفسها، بهذه الأسلحة.
 
وكان رئيس هيئة الأركان العامة في القوات المسلحة الإيرانية، اللواء محمد باقري، قد كشف في منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي، عن اعتزام القوات البحرية الإيرانية إدراج البحر الأحمر ضمن مهمات دورياتها البحرية في أعالي البحار، في الوقت الذي ترابط فيه سفينة إيرانية، اسمها سافيز، قبالة السواحل اليمنية، جنوبي البحر الأحمر، منذ بضع سنوات، مع ما يثار حولها من شكوك تشير إلى أنها تضطلع بمهمات لوجستية عسكرية، ينصرف جانب منها في خدمة جماعة الحوثي.
 
إذا ما تحقق لإيران ما تصبو إليه، فسيكون لذلك تداعيات اقتصادية وتجارية وعسكرية على أمن دول البحر الأحمر، ومن ذلك زيادة أقساط التأمين على السفن، وعسكرة هذا البحر؛ حيث ستنجم عن ذلك مبرّرات معقولة لأن يكون للبحرية الإيرانية نشاط دائم فيه، فتقابله استجابات مناوئة لبحريات إقليمية ودولية، مثل: السعودية، ومصر، وربما الولايات المتحدة، وإسرائيل، غير أن فرص إيران في إدراج البحر الأحمر، أو أجزاء منه، ضمن المناطق البحرية الموصوفة بالخطر، أيا كان مستوى هذا التصنيف؛ لا تبدو مواتية، سيَّما أن هنالك أربع دول عربية في مجلس رئاسة المنظمة البحرية الدولية: الإمارات (في المجموعة B)، والكويت، ومصر، المغرب (في المجموعة C).
 
ويمكن أن يضاف إلى موانع ذلك موقف إسرائيل التي تخوض أمام إيران صدامًا بحريًا غير معلن، بأدوات ناعمة وأخرى نصف خشنة، إن جاز التعبير؛ حيث تتعرّض سفن كل منهما لهجمات وأعمال تخريب، تبدو متبادلة، وقد لمس ذلك في بحر العرب، وشرقي البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، قد يكون لإسرائيل حسابات أخرى تجعلها في موقفٍ مؤيد أو محايد لمسعى إيران بشأن تصنيف البحر الأحمر أو أجزاء منه منطقة عالية المخاطر.
 
والحال كذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين لا تختلف أجنداتهما كثيرًا عن الأجندة الإسرائيلية في البحر الأحمر وخليج عدن، وهما عضوان في مجلس رئاسة المنظمة البحرية الدولية، ضمن المجموعة (A)، وتقودان، منذ نهاية عام 2019، تحالفًا دوليًا لحماية الملاحة في الخليج العربي، ومضيق هرمز، وامتداد ذلك حتى البحر الأحمر، ويتكون هذا التحالف، إضافة إليهما، من أستراليا وألبانيا والإمارات والسعودية والبحرين. ولا تفوت الإشارة، هنا، إلى أزمة الناقلات البحرية بين بريطانيا وإيران، أواسط عام 2019، وما تركته من أثرٍ عميقٍ لدى كل منهما.
 
مقتربات إيران للنفوذ إلى منطقة البحر الأحمر تزداد تباعًا، وتتنوع وفقًا لما تراه مناسبًا لأهدافها، وليس كسياسة الاحتواء التي تسلكها معها دول المنطقة، سيما العربية منها؛ إذ إن نفوذها عبر جماعة الحوثي في اليمن، ومحاولة تبرير وجود دائم لقواتها البحرية في البحر الأحمر، بموجب التصنيف الذي تسعى إليه؛ يختلف عن انخراطها الذي لم يتحقق بعد، في تجمع دول مُدوًّنة جدة لمواجهة التهديدات البحرية غير التقليدية، لعام 2017، التي مثَّلت تحديثًا لمدوّنة جيبوتي لعام 2009، المعنية بمكافحة القرصنة على السفن، غربي المحيط الهندي والبحر الأحمر؛ ذلك أن إيران لا ترى في انخراطها ضمن تحالفاتٍ من هذا القبيل إلا تقييدا لطموحاتها، وتكبيلها بالتزاماتٍ ليست مستعدّة للوفاء بها.
 
وإذا كان هنالك من مخاوف حقيقية لدى إيران على الأمن البحري في منطقة البحر الأحمر، فإن عليها، أولًا، الكفّ عن دعم مثيري الشواغل الأمنية من الفواعل العنيفة في هذه المنطقة وما يجاورها، والانخراط الجادّ في التحالفات الإقليمية التي تضطلع بمواجهة التهديدات البحرية غير التقليدية، أسوةً ببقية الدول المجاورة، وهي، بطبيعة الحال، ليست كلها عربية، فهناك دولُ غربي المحيط الهندي، على الرغم من اختلاف قومياتها، وأيديولوجياتها، وثقافاتها.
 

*نقلا عن صحيفة "العربي الجديد"

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر