اغتصاب العقول!


منذر فؤاد


في عالم تتبدل فيه المواقف، وتتداخل المصالح، وتتسارع فيه الأحداث، وتنتشر فيه الشائعات، وتصبح فيه عقول العامة والمتابعين والأتباع، عرضة للاغتصاب، بما يجعلها قابلة لتصديق كل ما يحدث، لابد من مراجعة دقيقة تحفظ للعقل مكانته، وتعيد اعتباره لمواجهة هذه التحديات.
 
أسهمت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة، بشكل كبير، في صناعة أصنام جديدة، نجحت في استقطاب آلاف المتابعين لها من خلال ما تقدمه من محتوى يلبي احتياجات هؤلاء المتابعين، غير إن تدخل هذه الشخصيات في أمور ليست من اختصاصها، وممارستها للتضليل والخداع، على قاعدة كبيرة من المتابعين، ممن يتصفون بالثقة العمياء، وتصديق كل ما يقال دون أي تدقيق، يعني أننا أمام حالة اغتصاب جماعي لآلاف العقول، تتطلب الرد عليها بمعركة وعي مضادة، للخلاص من هذا الاغتصاب.
 
اغتصاب العقول ليس جديدا، ولم يكن نتاج منصات التواصل وتفاعلاتها شديدة السرعة، إذ إن الكثير من المؤسسات والأحزاب تمارس ذات الأمر مع منتسبيها، وتسعى بكل إمكانياتها لتعطيل العقل، وتحويل الإنسان إلى مجرد دمية تردد ما تتلقاه، دون تدقيق أو مراجعة، وهذا يعتبر اعتداء صارخا على المنطق الذي ميّز الله به بني الإنسان على سائر الحيوانات.
 
دائما ما تسعى المؤسسات والهيئات بمختلف مجالاتها، إلى فرض نفسها، وتحقيق مصالحها الخاصة، وهذا أمرا بديهيا، طالما أتبعت في ذلك وسائل منطقية ومشروعة، لكن ما هو غير بديهي أن تمارس التضليل على من تستهدفهم، وتعبث بعقولهم من خلال ما تقدمه من محتوى يفتقر للحقيقة والموضوعية، لغرض تحقيق أهداف خاصة بها.
 
لا يقتصر اغتصاب العقول على ما سبق، إذ إن كثير من الشخصيات التي لها وزنها في المجتمعات العربية والإسلامية في الوقت الراهن، مارست الاغتصاب العقلي لأتباعها ومريديها، لفترة طويلة من الزمن، من خلال إضفاء القداسة على ما تصدره من أحكام ومواقف، لا تخضع للنقاش والمنطق والاختلاف، غير أن هذه الأحكام والمواقف سرعان ما تبدلت وتغيرت، اتساقاً مع توجهات الأنظمة السياسية، فاهتزت الصورة الذهنية لهذه الشخصيات.
 
كثيرون لا يدركون أن عقولهم تتعرض للاغتصاب بشكل متكرر، من قبل أشخاص ومؤسسات، نتيجة وجود تبعية متجذرة، وثقة مطلقة، لا تسمح لهم بإعمال عقولهم، والتفكير بشكل أمثل، وما يميز هذا الاغتصاب عما سواه، أنه يحدث غالبا بشكل طوعي، ويمتد لفترة طويلة، فيصبح عقل الإنسان مسلوب الإرادة، عاجز عن الحكم على الأشياء، والحوادث المختلفة، ويكتفي بالدوران مع فلك المغتصب، والإبحار في سفينته، مع قدرته على التدقيق والتمحيص والتحقق من المعلومة ومن صحة الموقف.
 
إن العقل الذي وهبه الله للبشر، إنما وهبهم إياه، تمييزا لهم عن الحيوانات التي لا تعقل، وتنحصر مهمة الإنسان في إعمال هذا العقل، واستخدامه للتمييز بين الأشياء، والمتضادات، والتفريق بين الصواب والخطأ، والمعقول واللامعقول، والتفكير السليم، والتدقيق، وغير ذلك الكثير، بدلا من تعطيل العقل، والاكتفاء بالتلقين والانصياع لمجريات وأحداث الواقع المعاش، كما يراها الآخرون.
 
لقد كشفت الأحداث خلال السنوات القليلة الماضية، عن اهتزاز كبير للكثير من الشخصيات والمؤسسات، التي كان عامة الناس يرون فيها قدوة حسنة، ويضيفون حولها هالة من القداسة، يمتنع معها النقد والتمحيص والتدقيق والاختلاف، في مقابل تعطيل التفكير، واغتصاب العقول بحيث تصبح مفرغة من أي بصيص للتفكير والمراجعة، لما يحدث، وما يصدر من أقوال لهذه الشخصيات أو المؤسسات. 
 
حيث تسبب تراجع الكثير من هذه الشخصيات  والمؤسسات خاصة الدينية عن أفكارها السابقة، والتماهي مع التوجهات  السياسية الجديدة للأنظمة القائمة، تسبب في  صدمة لكثير ممن اغتصبت عقولهم خلال سنوات، ودفعهم للتفكير جليا، وإعادة الاعتبار للمنطق، بدلا من العاطفة والثقة والتبعية العمياء، وبقدر ما أحدثت المواقف الجديدة فجوة كبيرة في العلاقات وفقدان الثقة، إلا إنها شكلت أرضية مناسبة وممتازة لإعادة الاعتبار للعقل، واستخدام مقاييس أكثر منطقية لتقييم المواقف، تنطلق من الواقع المعاصر، مثل قضية القدس، وقضية تسخير الدين لخدمة الحاكم، بدلا من المقاييس القديمة التي ترتبط عادة بالقضايا الثابتة والتي لا خلاف حولها كقضايا العقيدة.
 
نحتاج اليوم أكثر من أي وقت، إلى إعادة الاعتبار للعقل والمنطق، حتى لا يصبح أسيرا للاغتصاب والتسلط، ومن هذا المنطلق فلابد من وجود آلية ذاتية للتدقيق ومراجعة المواقف ونقدها، كما نحتاج أيضا لنفس الآلية للتحقق صحة ما ينشر، وما يقال، خصوصا ما يتعلق بالمحتوى الذي ينشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، كونها الأكثر انتشارا من بقية الوسائل الأخرى، والأكثر إنتاجا للشائعات والأكاذيب، في هذا العصر.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر