مشروع "نميل".. الإبداع في استلهام الموروث الحِرَفي لخلق فرص اقتصادية واعدة للمرأة في حضرموت

[ مشروع "نميل" بحضرموت.. مشروع اقتصادي لتمكين المرأة المحترفة بالأشغال اليدوية المورثة (خاص: يمن شباب نت) ]

 أطلقت الشابة "سارة العجيلي"، ذات الـ 28عاماً، على مشروعها الإبداعي اسم "نميل"، وهو اسم نخيل بمدينة "حجر" بحضرموت، يمتاز بجودته وأفضليته في الاستخدام.
 
استقطبت سارة في مشروعها عشر من النساء الريفيات بمدينة المكلا، ممن يشتغلن في صناعة "الخوص" وفقا للطريقة التقليدية واليدوية المعتادة والمعروفة بمحافظة حضرموت، شرقي اليمن، حيث تحتفظ عدد من المهن والحرف التقليدية بالهوية الثقافية للإنسان الحضرمي بشكل خاص، واليمني عموما.
 
في مشروعها، الهادف إلى تمكين المرأة الحضرمية أقتصاديا، استلهمت "سارة"، المهتمة بالجانب الثقافي؛ واحدة من أبرز المهن والحرف التقليدية الحضرمية الإبداعية الشائعة، باعتبارها تراثاً ثقافيا فريداً من نوعه، بما يحويه من أنشطة حيوية لحياة الإنسان اليمني، كجزء من عاداته وتقاليده الفريدة والأصيلة.
 
 
مشروع "نميل"
 

منذ أكثر من سبعة أعوام، أهتمت "سارة العجيلي"، بالجانب الثقافي. وبدأت مشروعها، الذي يعني بشكل أساسي في تعزيز الاقتصاد الإبداعي للنساء الريفيات، بإستهداف عشر من النساء الريفيات المتخصصات في مجال الاشتغال في حرفة صناعة "الخوص"، وقدمنّ من الريف إلى مدينة "المكلا" (عاصمة محافظة حضرموت) شرقي اليمن.
 
وفي حديثها لـ "يمن شباب نت" عن هذا المشروع، تقول "سارة" إن هذه الفكرة جاءت أساسا من كون حضرموت تحتوي على عدد كبير من النخيل، وبشكل خاص مدينة "حجر"، الواقعة غربي مدينة المكلا، والتي تحتوي على أكثر من ثلاثة مليون نخلة، تمتاز بجودتها العالية.
 
وترى "سارة" أن المنتجات "الخوصية"، وهي منتجات يدوية تعتمد في صناعتها على خزف النخيل؛ تعد في منطقتها هي الأفضل من نوعها على مستوى العالم، مشيرة إلى أنه كان يفترض أن يكون المشروع في مدينة "حجر"، ولكن بسبب قلة الإمكانيات هناك، تم تنفيذ المعرض في "المكلا".
 

أهداف المشروع

تؤكد "سارة"، ضمن حديثها لـ "يمن شباب نت"، بأن أبرز الأهداف التي يعنى بها المشروع، هو تعزيز الاقتصاد الإبداعي للنساء الحرفيات في مجال "الخوص". إلى جانب الحفاظ على الموروث المحلي وعكسه بطابع حديث، بقصد الحفاظ على الهوية الحضرمية، ولكن بإضافة استحداثات تواكب العصر، ورفد السوق المحلي بمنتجات مواكبة، وتكون قريبة من الشباب وتطلعاتهم.
 
لذلك، توضح "سارة"، أن أهم ما يميز هذا المشروع أنه يسعى لتلبية هدف محدد وجديد، يتمثل في كيفية نقل حرفة صناعة "الخوص" من الطريقة التقليدية إلى الطريقة الحديثة، وذلك من خلال توفرها في البيئة الطبيعية، بشكل يعكس تناسبها ومواكبتها للتطلعات العالمية، وبطريقة عصرية، سواء من حيث الملبوسات أو الاضاءات أو الديكورات، وغيرها..
 
في السابق؛ كانت توجد، في جميع الدول تقريبا، أسواق مخصصة لعرض المنتجات الأثرية والتراثية الخاصة بثقافة وفن كل بلد، إلا أنها- كما تقول سارة- اندثرت، أو ربما قلت الحركة، والطلب على هذه الأسواق، مؤخرا.
 
 
صعوبات ومراحل المشروع
 
وتحدثت "العجيلي" لـ "يمن شباب نت" عن بعض الصعوبات والتحديات التي واجهتها في المشروع، والتي كان أبرزها "عملية البحث عن النساء المتخصصات في هذا المجال"، مضيفة: "حيث لا توجد لهن أية متاجر إلكترونية، أو عناوين للتواصل بشكل مباشر"، ما جعلها تقوم بعملية البحث عنهنّ بشكل شخصي، ما أدى إلى تأخرها عن تنفيذ المعرض بعضاً من الوقت.
 
وتضيف: "كما كانت هناك صعوبات عملية، أيضا، بينها عملية التدريب والتأهيل، بهدف الخروج عن المألوف والاعتيادي، بالنسبة لهنّ، إلى شي متطور وعالمي. حيث في البداية كانت تواجههن صعوبة، ولكن بهمة وإرادة النساء المتواجدات في التدريب، استطعنّ عمل أشياء رهيبة".
 
وأوضحت "سارة" أن المشروع تم تنفيذه على عدة مراحل؛ فالمرحلة الأولى، وهي الأساسية، بدأت بالتدريب على صناعة المنتجات، كالمحفظة النسائية والحقائب وغيرها.
 
والمرحلة الثانية كانت مرحلة "الخوص" المتقدم، وذلك بعمل مواد معقدة من ديكورات وحقائب كبيرة. إلى جانب تعليم المتدربات فنون التصوير والتسويق للمنتجات "الخوصية". وهي مرحلة تمثلت بنقلهن من نساء غير معروفات إلى نساء معروفات، متواجدات على منصات التواصل الاجتماعي، وخصوصاً منصة "الإنستغرام"، باعتبارها المكان الذي يتواجد فيه أصحاب المشاريع والمنتجات الصغيرة.
 
والمرحلة الثالثة، بحسب صاحبة المشروع، هي مرحلة ما قبل تنفيذ المعرض، من خلال تنفيذ ورشة عمل للرسامات والخطاطات والمهتمات بالجانب الفني، حيث قمنّ بعمل لوحات معينة، وطلاء الأعمال بألوان بهية، بحيث تظهر المنتج المليء بالحياة والحيوية. وبطابع إبداعي أكثر من كونه مجرد "خوص" عادي يتم استخدامه في مائدة الطعام برمضان، أو باستخدامات الأشخاص الريفين؛ مثل صنع منتوجات الإكسسوارات والجلد، وبلمسات راقية، مما جعلها تبدو كتحفة فنية رائعة..
 
وفي المرحلة الرابعة والأخيرة، وهي مرحلة تنفيذ المعرض، تم فيها تقديم وعرض جميع المنتجات التي تم العمل عليها خلال فترة التدريب والتنفيذ للمشروع، من ديكورات ومجسمات وميداليات وحقائب ومحافظ نسائية وغيرها..
 

موروث ثقافي سياحي
 
وخلال المعرض التقينا بـ "أم أحمد" السّعّافة (يطلق اسم السّعّاف، أو السّعّافة، على من يعمل في صناعة المنتوجات من سعف النخيل. وهي واحدة من المهن الحرفية والتقليدية المتوارثة من القدماء، منذ آلاف السنين، ولا زالت بعض الأسر في حضرموت متمسكة بها إلى اليوم).
 
وتحدثت "أم أحمد" لـ "يمن شباب نت"، عن هذه الحرفة، من حيث أن "أدوات العمل بـ "السعف" بسيطة جداً، وغير مكلفة. كما أن استعمال أوراق النخيل، كما تقول؛ يختلف من صنف إلى آخر، وذلك حسب موقعه من النخلة، فالذي في القلب يصنع منه السلال والحصير والسفرة، أما النوع ذو اللون الأخضر فيستخدم في صناعة الحصير، وسلالة الحمالات الكبيرة والمصافي والمكانس وغيرها من الجليد، تستخدم في صناعة الأسرة والأقفاص والكراسي..
 
ويتم عرض هذه المنسوجات في المهرجانات والفعاليات الثقافية، والتي تشكل عامل جذب للسياح، بما يدر دخلاً إضافياً لأصحاب هذه الحرف، وعلى الناتج القومي للمنطقة.
 
وتشتهر محافظة حضرموت بالعديد من الصناعات الحرفية، التي أبدع فيها الحضارم، قديمًا وحتى وقتنا الحاضر. كما تعتبر اليمن، بشكل عام، واحدة من أشهر الدول في العالم، التي تتميز بدقة وجودة هذه الأعمال والمشغولات اليدوية.
 
وبحسب "بلال غلام حسين"، وهو باحث وكاتب في تاريخ عدن المعاصر، فهذه الحرف والصناعات، المتمثلة بالمشغولات اليدوية، تعد جزء من الموروث الشعبي الذي يجب الحفاظ عليه والترويج له على نطاق واسع في مجتمعنا، إلى جانب أهمية الترويج لها عبر مواقع البيع العالمية، أيضا. حيث أنها- كما يقول: ستقلى إقبال من دول أخرى غير اليمن.
 
ويذهب حسين إلى التأكيد على أن مثل هذه الأشياء "لها إقبالا جماهيريا في دول أوروبا وغيرها من دول العالم"، مستشهدا بما تلقاه من إقبال السياح عليها خلال زياراتهم لهذه الدول التي تروج لمثل هذه الأعمال اليدوية، مستدركا: "ولكن يجب التّمّيز في مثل هذه الأعمال الحرفية وتقديمها بشكل راقي".
 
تراث حرفي وفرص اقتصادية
 
وتعود أهمية هذه الأعمال الحرفية التراثية، السهلة والبسيطة، كونها تعمل، أولا؛ على تعريف جيل الشباب بتراث الأجداد، وجماليته، وبالتالي حثهم على استعادة الاهتمام ومواصلة العمل عليها حتى لا تندثر، خصوصا مع دخول وسيطرة الصناعات الحديثة، والمستوردة، على الأسواق العالمية والمحلية.
 
أما الأمر الأخر، وهو لا يقل أهمية عما سبق؛ أن عودة الشباب لمثل هذه المهن والحرف اليدوية، التراثية والبسيطة، سيسهم في التخفيف من الفقر المستشري، من خلال تعزيز عملية الاعتماد أكثر على الاقتصاد الحرفي، المتوافر أدواته من الطبيعة الغنية بمواده الأولية، الرخيصة، أو المجانية غالبا.
 
وفقط سيحتاج البعض إلى القليل من الإبداع مع القليل من التدريب والتأهيل، وقليل من مهارات الترويج والتسويق.
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر