قلب لا سوابق له


مجدي أحمد

ما بين وطن لم يهتد إليه مواطنوه، ومواطنون ضل وطنهم طريقه نحوهم؛ كان إلياس قد غادر ردهة التيه تلك، باحثا عن وطن لا ينازعه أحد عليه ولا يدعي سواه وصله وطن على مقاس أحلامه.

وكانت هي الوطن الذي إليه اهتدى قلبه دون عناء واستقرت فيه عينيه إلى ما بعد الأبد.
انتابه شعور بالتحدي ما لبث أن تحول إلى نوع من النضال وهو يعبر الطريق إلى وطنه الناعم ليكتشف أنه لم يكن سالكا ولا معبدا كما تمناه.
 
كان الطريق إليها لا يكاد يختلف كثيرا عن الطرق التي تاه فيها اليمنيون بحثا عن وطنهم الكبير.
ممرات ضيقة ومنحدرات مخيفة، حفر ومطبات، هوام وعقارب وحشرات ضارة وثمة في الأمام قطاع حب، وقتلة قلوب وهو إليها حافي القلب يمشي، أعزلا إلا من ترسانة حبه.
 
مكشوف الهوى، معلوم الهوية، دونما إسناد يواصل تقدمه بالسلاح التقليدي للحب وكلما تقدم يقل مخزون ذخيرته من الصبر.
 
في الجهة المقابلة للحبيب كانت هي تقف في انتظار قدومه ملوحة له بين حين وآخر بقلبها كنوع من الدعم المعنوي والتحفيز على مواصلة تقدمه العشقي نحوها.
 
على حقول من الألغام زرعتها سلطات تركيع القلوب بثقافتها المستبدة التي من بين مفرداتها: عيب، حرام، ما يصلحش، فضيحة، خزى، عار، الثقافة التي تأتي في شكل من أشكال التدين المرتجل أحيانا أو في صورة من صور التقاليد العرفية القاسية التي كرها تحتكم لها المجتمعات، في أحايين كثيرة، مضى هو غير مكترث بكل تلك الفخاخ فهو يحب حتى لا يحسب في عداد الموتى ويموت في الحب ليبقى حيا، على مذهب الرومي.
 
لم يكن إلياس الشاب المكتظ بالحياة، والمزدحم بالمستقبل، والضاج بالأحلام، والمكتنز بالتفاؤل مغرما بالحرب ولا مولعا بالمعارك ولا حتى مهتما بالصراعات على احتدامها كل ما كان يعنيه منها أن تنتهي كي يتمكن هو من الحصول على فرصة عمل أي عمل ولو تقاطع مع طبيعة المؤهل الذي يحمله، فهذا غير مهم، طالما أنه سيستخرجه من قاع البطالة السحيق الذي ألقته الحرب في دهاليزها المظلمة.
 
كانت الحياة باشتراطاتها الشاهقة والتزاماتها المرهقة تضعه في امتحان صعب وخيارات ضيقة وكان يمكن لكل المبررات والأسباب والدوافع التي تجعل منه مرتزقا في حرب الوكالات الخاسرة، أن تكون مقبولة.
 
غير أنه خبر الحياة بما يكفي لفهم طبيعة الصراع وحقيقة المعركة فما أغراه تفاح الجنة ولا استهوته مفاتيحها ولا فتن بخديعة الحزم ولا أسرته أوهام الأمل ولا انبهر بأكذوبة التحرير.
فشلت الحرب من احتوائه واستقطابه ضمن أطرافها المتصارعة ونجحت نجاحا كبيرا في أن تجعل منه أحد ضحاياها.
 
في الحب كما في الحياة ناضل إلياس بكل الطرق المتاحة والوسائل والمشروعة كي ينال ما اعتقد دوما أنه له ومن نصيبه.
 
كان الحب أقدس قضاياه وأعدلها وكانت هنادي الوطن الناعم الذي أمن به وناضل في سبيله منذ عرفها زميلة في كلية التربية بزبيد. كجنين في طور التكوين بدأت علاقتهما تنمو وتكبر من الزمالة إلى الإعجاب مرورا بالحب فالشعور بالتملك.
 
لم يكن ثناؤه على ذكائها ذات لقاء سوى ذريعة ومبررا لإعلان إعجابه الأول بها فهو لا يعنيه ذكاء عقلها كثيرا بقدر ما كان يعنيه ذكاء أنوثتها الفصيح الذي لا يخطئه قلب عاشق.
 
 بدلالها اللذيذ وأنوثتها المشتهاة وأدبها المرغوب خطفت لبه وسكنت أعماقه وتفشت فيه حتى أسلمها قلبه دون مقاومة تذكر.
 
داخل أسوار الجامعات تنتهي في الغالب علاقة الزمالة مع الإناث لعدة اعتبارات تفرضها طبيعة المجتمعات المحافظة وكانت العلاقة بينهما قد تجاوزت تلك الأسوار وتعدتها.
 
كان إلياس يعتقد بأنها الأنثى التي تختصر النساء والزوجة التي لا يمكن تعويضا بأخرى وكانت هي تراه فارس الحلم الأنيق والرجل الخليق بقلبها؛ غير أن الوصاية الجشعة على حبها ولأسباب لا حول له فيها ولا قوة؛ كالفقر والبطالة، لا تراه صالحا للارتباط بها ولا قمينا بالمصاهرة ولا حتى جديرا بأن يصل قلبها وظل هو يهتف لن ترى الدنيا على قلبي وصيا.
 
قبل أن تقذف به الحرب على أرصفة البطالة وفي طوابير الاحتياج، كمتطوع عمل مدرسا لمادة اللغة الانجليزية في إحدى المدارس الحكومية بهدف رفع مستوى التفاوض مع أوصياء الحب قبل أن تخلو أو تكاد أغلب المدارس من المدرسين نتيجة توقف رواتبهم.
 
كانت هي تبدو الأكثر حظا منه فقد التحقت بالتدريس في مدرسة أهلية بمدينة الجراحي راتب المدرس فيها لا يخضع للابتزازات السياسية ولا لتأثيرات الحرب.
 
غير مرة، حاول أستاذ اللغة الانجليزية أن يتوج نضاله العشقي بالزواج من زميلته إلا أنه وفي كل مرة وللأسباب ذاتها كان يرفض.
 
 بموت والدها كان يظن أن الوصاية الجشعة التي دوما يتعثر بها مشروع زواجه قد ارتفعت لكنه ما لبث أن اكتشف أوصيا جدد وضعتهم الأبوة مرغمين على تنفيذ رغبة والدهم النزقة.
 
بضع سنوات وأزمته العاطفية تراوح مكانها، وقلبه الذي لا سوابق له لا يؤمن بفن الممكن في الحب.

 كان يفترض بالطرف الآخر لتلك الأزمة أن يقدم بعض التنازلات وأن يعمل على إظهار حسن النية وتنفيذ إجراءات بناء الثقة لكنه ولأسباب تتعلق بالبر العاق والمعيق لم يفعل.

ظل إخوانها وبمبرر بر والدهم العاق لابنته، الطرف المعرقل لأي تسوية عاطفية تحتكم لمرجعيات الحب التي توافق عليها جمهور العشاق.

وظل هو متمسكا بخياراته السلمية مؤمنا بعدالة قضيته ومشروعيتها.

وحين شعر بالالتفاف على حبه وأدرك أن ثمة محاولة للانقلاب عليه لم يشرع في إنشاء تحالفات تعيد الشرعية لقلبه فهو يرى أن وطنه الكبير راح ضحية تلك الخديعة وذلك الفخ فما عاد يؤمن بالتحالفات.

وبينما كانت الحرب تقترب من مدينته وتحاصرها برا وبحراً وجوا كان مشهد الناس وهي تغادر بيوتها ومساكنها إلى المجهول يحرضه ضد الحرب ويستنهض فيه العداء لها.

لسبب بسيط كان هو يحقد على الحرب ذلك أنها بأثارها وتبعاتها أعاقت مشروعه فلولاها ما جلس على أرصفة البطالة وطوابير الاحتياج.

ما تقبل فكرة الخسارة ولا استطاع مداراة حبه الذي كان قد استحال إلى حالة مرضية تستعصي على الشفاء.

ولأن الأشياء الجميلة هي في نهايتها كارثة كما يقال فقد انتهى حبهما إلى كارثة لا زالت مدينة الجراحي تعيش كابوسها ولم تستيقظ بعد منه.

 ففي حادثه غامضه لا تزيدها التفاصيل إلا غموضا وتعقيدا أقدم إلياس قبل أيام قليلة على قتل حبيبته قبل أن يقاصصها من نفسه ويذهبا مكفنين بحبهما الأبيض النقي تاركين لنا فرصة طرح الأسئلة دون مقاطعة.
 
أسئلة كثيرة من بينها، متى تراه أمن بالعنف؟  وكيف اقتنع به؟
ولماذا هو لا سواه وهي لا غيرها؟

وهل ألهمته الحرب في لحظة اللاوعي فكرة على وعلى أعدائي بنهايتها التراجيدية المدمرة التي أسلمت اليمن للعبث والإهانات والتشظي لمجرد العناد ورد الاعتبار للحاكم المستبد.
 
أم سبق له أن قرأ الوصفة التي تقول " لتشفى من حالة عشقية، يلزمك رفاة حب، لا تمثالا لحبيب تواصل تلميعه بعد الفراق " فقرر التشافي.
 
ويبقى السؤال الأهم متى تضع الحرب أوزارها لننعم بالسلام والحب.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر