خلف عذابات الغائبين


سلمان الحميدي

20 يناير 2020، تلقيت خبر اختفاء أحمد بن خالتي الذي كان مرابطاً في جبل المنارة بنهم، كنت من الأوائل الذين تلقوا الخبر، كان لي مع أحمد قبل التحاقه بالجيش أسمار وذكريات، أحمد تخرج لتوه من الثانوية، يختفي، لم نعرف مصيره، كنت مع القلة الذين تلقوا الخبر نتواصل مع بعض المعاريف في مأرب للبحث عنه، لا يوجد بين الشهداء، ولا بين الجرحى في المستشفيات، أسرته لم تعرف الخبر بعد.

كانت خالتي على مدى أيام، تعبر عن قلقها، وتسأل عن أحمد، نخبرها أنه بخير، تتساءل: لماذا لا يتصل؟ نؤكد: المنطقة التي يتواجد فيها أحمد، لا توجد تغطية. بدأ أفراد الأسرة يعرفون، ولكن الخبر مازال طي الكتمان عن خالتي القلقة. اسلام، شقيقه في المدينة، أرسل تسجيلاً صوتياً للقرية، بالتسجيل يتحدث أحمد، غير أن التسجيل لم يصمد طويلاً، خالتي عرفت أن أحمد مختفي.

عشنا فترة من الحزن، لكن حزن الأم مختلف، تواصلنا مع نشطاء مدنيين يعملون بشؤون الأسرى، أعطيناهم الاسم ليبحثوا عن أحمد، لم يجدوه في معتقلات الحوثي وسجونه، أحد رفقائه، مشى بصحبته من القرية وحتى الجبهة، قال بأن أحمد تعاهد مع مجموعة من الجنود أن يصمدوا حتى آخر طلقة، ليس هذا ما أردناه، أين أحمد!؟ كنا نؤكد لخالتي ونقسم أنه أسير مع زملائه، ونبحث.. نبحث في الصور ومقاطع الفيديو ولا فائدة، وكانت خالتي تتمنى شيئاً أكيداً ليخف القلق: هل هو شهيد أم أسير؟ ولكن قلب الأم لا يتوقف عند معرفة مصير فلذة الكبد.


أواخر يوليو 2020، تلقت الأسرة اتصالاً مفرحاً، كان المتصل أحمد، من معتقل الأمن القومي، كانت الفرحة كبيرة، وقد ترافقت مع عيد الأضحى، لكن خالتي ظلت أسيرة لنبرة الصوت، عذبوه، مريض، جائع، تتخيل حالته ويشتوي كبدها حتى نضج الوجه وتغضنت الجبهة، ومع ذلك كانوا يقولون لا وجود لأحمد.

بدأت مرحلة جديدة من العذاب، حوالات مالية للمعتقل، لأسير لا يوجد اسمه، حوالات ومحاولات إثبات أنه موجود ولا فائدة.. بالصدفة، ذات يوم، اتصل من يستلم حوالات المعتقلين، يستفسر ما إذا كنتم قد أرسلتم الحوالة، يستفسره من تلقى الاتصال: حوالة من؟ فيرد المتصل: فلان بن فلان بن فلان.. كاد ينكر الاسم، قبل أن يستنتج أن أحمد أعطاهم اسماً غير اسمه.

ماذا كان يدور براس أحمد؟ لم نعرف، والده مدني ينشط في الجانب التعليمي، هو الأستاذ القدير عبد الله الحداد، ليس من القيادات العسكرية أو السياسية حتى يخاف أحمد من ذكره، يُدَرِّس في فرع الجامعة، كما أنه يعلم الطلاب اللغة الإنجليزية بعد الظهيرة، إضافة إلى دوره في جانب التنمية البشرية للكثير من الطامحين والطامحات في الريف، الآن كيف نتصرف؟

تم إبلاغ المشرفين على صفقات الأسرى، وضم الاسم الجديد ضمن الصفقة، ولمدة سبعة أشهر وخالتي تنتظر يوماً بعد يوم.


أواخر سبتمبر 2021، نُقل أحمد مع زملائه إلى معتقل الصالح بتعز، استعداداً لإطلاقهم ضمن صفقة تبادل قام بها وسطاء محليون، علمت خالتي وثقلت حركتها غير مصدقة، وصبيحة اليوم التالي، لاقته إلى المعتقل. 

اتصلتُ بأمي التي ذهبت معها، قلوب الأمهات تتشابه، وأمي رفيقة خالتي منذ الطفولة، قالت لي أن خالتي عندما رأت أحمد فقدت الوعي، كانت تصف أحمد بحرقة، جسمه الهزيل، وشيء ما على أصابعه، قال أمي بأن خالتي عندما استفاقت وسلمت عليه، سألته عن الملابس التي يرتديها، فأخبرها: أعطوهم لنا عندما أخرجونا من صنعاء؟ كان هناك حوثيان قرب أحمد يراقبان الأسرة التي تزور أسيرها، قالت خالتي مجاملة: الله يحفظهم؟ فرد أحمد: عادك تدعي لهم.. أنـ... عارهم.. خافت خالتي وهي تسكته، فتابع: لموه معادوه خفا، عيال كلب.. قالها هكذا أمامهم.

عادت خالتي قلقة، معذبة، غير مصدقة، تأجلت الصفقة بعدها، وظلت خالتي لا تنام، تخيلت أنهم لم يطلقوه، واحدة من أسوأ الألعاب بمشاعر النفسية لأهالي وأقارب المختفيين والمقربين منهم.

خرج أحمد ضمن الصفقة باسم غير اسمه، لم يعرف لماذا غيره أصلاً، ربما خطة فشلت، في الطريق كان يلتفت نحونا ويتنهد، سألناه، فرد: أتأكد إن كنت قد خرجت أم لا.

قد تجد الكثير من مواقف العزة والشموخ، في تفاصيل الأسرى، أما في قصص وتفاصيل المختفين والمختطفين والمعتقلين من الأرصفة والطرقات، فلا تلقى إلا القهر الشامل، وفي كل الحالات، يخرج الجميع مدركاً أكثر خطورة المليشيا وبغضهم، وبكل تأكيد يوجد خلف كل إنسان غائب، كان مختطفاً أو أسيراً أو معتقلاً أو ضائعاً، أفئدة معذبة لا يدرك الخاطف كم يعذبها وكم تحاصره.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر