لتنتصر جنوب أفريقيا


سلمان الحميدي

 لا يوجد من يمثل العرب في دور 16 في بطولة كأس الأمم الافريقية المقامة حالياً في كوت ديفوار. آخر المنتخبات العربية التي غادرت الأدوار النهائية، المنتخب المغربي.
 
لم يكن الخروج المغربي محزناً جداً للمشجعين العرب، كان محزناً، نعم، ولكن ليس إلى حد فقدان المشاعر، ذلك أن خروج المنتخب المغربي من الأدوار الاقصائية، كأن بأقدام لاعبي منتخب جنوب أفريقيا.
 
عصر يوم المباراة، كان أحد أصدقائي متحمساً مع منتخب جنوب افريقيا، هو ليس مشجعاً عميقاً بالكرة، هذا ما جعله يشاهد المباراة بتوتر، كان يتحمس مع كل هجمة ويصرخ مع الكرة المركولة تجاه المرمى. السماعة في أذنه، وعيناه لا تفارقان شاشة الهاتف، ومع تقديري الكبير لمنتخب جنوب افريقيا، إلا أن موقفي كان محايداً، أيًّا من كان سيفوز  فسنشجعه في الدور المقبل، لم يكن تطبيع نظام المغرب مع الكيان اللقيط سبباً في الحياد، فالموقف الشعبي المغاربي عظيم، غير أن موقف جنوب افريقيا الأخير وسحب مستوطنة إسرائيل إلى محكمة العدل الدولة كمجرم حرب، كان سبباً في إكبار جنوب افريقيا.
 
بعد انتظار صاحبي للشوط الثاني، تأخر الموقع الذي يشاهد منه المباراة بالبث، وبعد البحث عن المباراة بموقع آخر، اكتشف أن ما يشاهده مباراة قديمة، وأن موعد المباراة في ساعة متأخرة من الليل.
 
لم أشاهد المباراة في الليل، لكن في اليوم التالي، كان صديقي فرحاً، فازت جنوب افريقيا.
ـ ولكن لا يوجد من يمثل العرب في دور 16
ـ إلا.. باقي للعرب جنوب افريقيا.
ثم قال: يستحقون الفوز  لموقفهم مع فلسطين.
*
موقف جنوب افريقيا من النضال الفلسطيني، لم يبدأ مع الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي في غزة من بعد 7 أكتوبر، 2023، الاصطفاف الافريقي قديم وواضح، ومنذ نضال جنوب افريقيا ضد النظام العنصري، حيث الأقلية البيضاء تتحكم بالسود وتنهب ثروات البلاد.
 
بلغت المواجهة ذروتها، مطلع ستينيات القرن الماضي، بعد انتهاء مرحلة النضال السلمي الذي تبناه الزعيم نيلسون مانديلا الذي درس القانون في جامعة ويتواترسراند، وكان الأسود الوحيد الذي استلقف كل عنصرية البيض في الجامعة.
 
القانون، كان مفتتح حقبة النضال التي ستقود جنوب افريقيا للتحرر من العنصرية التي ارتكبت مذبحة شاربفيل، ليحمل المناضلون السلاح ويبدؤون مرحلة الكفاح المسلح.
 
سيلقي نظام جنوب افريقيا العنصري، القبض على نيلسون مانديلا، الذي سيظل في السجن 27 سنة، ومع ذلك ستعجز كل سياسات القوة الداعمة للأبارتايد عن إخماد حركة التحرير الجنوب افريقية.
 
المثير في تفاصيل تحرر جنوب أفريقيا، هو أن النظام العنصري كان مدعوماً من أمريكا وإسرائيل، وفي هذه الفترة كانت حقبة ظهور حركات التحرر في الدول الاسيوية والافريقية سواء من الدول الاستعمارية أو الأنظمة العنصرية، وكما وقفت أمريكا وإسرائيل مع النظام العنصري، وقف المناضلون مع حركات تحرير فلسطين والعكس أيضاً، تشكيلات التحرير الفلسطينية وقفت مع نضال مانديلا ورفاقه في وجه العنصرية المدعومة من إسرائيل وأمريكا.
 
سيضطر نظام الأبارتايد لإطلاق سراح مانديلا، لياتي اليوم الذي تتخلص فيه جنوب افريقيا من العنصرية البيضاء المقيتة وإلى الأبد، وسيكون مانديلا أول رئيس اسود لجنوب افريقيا سنة 1994.
 
ورغم هذا التحول، سيظل مانديلا، في قائمة الإرهاب الأمريكية. في كتابه أبناء الأيام سيكتب غاليانو: «في 2008 مسحت أمريكا اسم مانديلا من قائمة الإرهابيين الخطرين. الأفريقي الأكثر توقيراً في العالم وُضع في تلك القائمة الشريرة 60 سنة».

أمريكا التي سيتساءل مانديلا مستنكراً: من سمح لها أن تنصب نفسها شرطي العالم!؟ لن تكتفي بتقديم كل أنواع الدعم للعنصرية الصهيونية، بل ستسارع لتصنيف رموز فلسطينيين يقودون المقاومة، كإرهابيين. مانديلا، الزعيم الأفريقي الأكثر شهرة في العالم الذي هزم العنصرية سيقول: إذا كانت هناك دولة ارتكبت فظائع لا توصف في العالم، فهي الولايات المتحدة الأمريكية. لم يهتموا بشعب اليابان، وأسقطوا عليهم قنابل نووية في استعراض للقوة، ومازال الناس يعانون من آثار همجيتهم حتى الآن. من يكونون لينصبوا أنفسهم اليوم شرطة العالم؟
مانديلا، كان أعظم الزعماء مناصرة للقضية الفلسطينية..

المناضل الذي بدأ خطوات تحرير بلاده من العنصرية ونظامها المدعوم من أمريكا واسرائيل، من جامعة ويتواترسراند، حيث كان يدرس القانون، وبسبب نضاله صنفته أمريكا إرهابياً، سيأتي أحفاده ليجروا إسرائيل كمجرم حرب إلى محكمة العدل الدولية، في الوقت الذي تصنف فيه أمريكا أبطال تحرير فلسطين بالإرهابيين.

لتنتصر جنوب افريقيا.
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر