حول الدراما اليمنية


سلمان الحميدي

 من قبل الميلاد، لا يتوقف الحديث عن الدراما ومشاكلها، وما يزال النقاد والخبراء والكتاب يدونون تجاربهم وتعليماتهم لنخرج القصة مسبوكة وتخلق أثرا عند المتلقين..
 
حتى الحكيم أرسطو تحدث عنها بمنهجية وحكمة.
وتبدو التعليمات مختلفة الصياغة، ولكنها تصب في ملتقى واحد: القصة من الفكرة إلى الأداء..
 
في اليمن، دعونا نتفق أن مسلسلات هذه السنة أجود من عروض السنوات السابقة، على الأقل من الناحية الشكلية، وهي انطلاقة مبشرة ومشجعة سيكون لها خطوات تالية ترتقي بالدراما اليمنية في حال جرى تقويمها بشكل جيد..
وبالنظر السريع لبعض الحلقات المعروضة لهذا العام، سنجد أن أكبر هفوات المسلسلات اليمنية، تكمن في افتقارها لعُقد فرعية، إذ يجري التركيز على العقدة الرئيسية وتطوير الشخصيات من خلال أفعال لا داعي لها.. باختصار: هناك خلل في الحبكة.
 
وقبل الحديث عن الحبكة، يجدر أن نشير بأن القصة أي قصة، تبدأ بفكرة، ويتفق أهل الصنعة قديما وحديثا أن فكرة القصة، هي فعل قبل أن يكون شخصية، وبالتالي يقدمون الفعل على الشخصية من حيث الأهمية.
 
وقبل أن يقوم المؤلف بكتابة العمل، عليه تلخيص فكرة القصة أو موضوعها بأقل قدر من الكلمات، فهذا الشهير سد فيلد في كتابه السيناريو، يقول: «عندما تعبر عن موضوعك بجمل قليلة بلغة الحركة والشخصية فإنما تبدأ بتوسيع عنصري الشكل والبناء».. ويشدد بأن على المؤلف أن يعرف عم تدور فكرة قصته «بشكل واضح ودقيق» فإذا أنت لم تعرف عما تدور قصتك لن يعرف المشاهد أو القارئ.
 
في كتاب "فن كتابة السيناريو" لفرانك هادو، يذكر المؤلف أن صياغة الفكرة «تحولت في الولايات المتحدة إلى مهنة مستقلة كلياً، فهنالك كتاب يبتكرون أفكارا يطورها كتاب آخرون كي تصبح سيناريو. ينبغي لفكرة الفيلم أن تعرض بوضوح الشخصية الرئيسية والانقلاب الأولي الذي سيطلق الدينامية السردية».
 
يتحدث هادو، أن الفكرة يمكن تلخيصها بجملة واحدة، ويستشهد بأفكار بعض الأفلام، على سبيل المثال:
* يضطر موسيقيان للتخفي بزي نسائي للهروب من قتلة (It hot some like) لبيلي وايلدر
* يستيقظ كلب ذات صباح كي يجد نفسه على صورة رجل (Didier) لآلان شابا.
* رجل سليم العقل متمرد على السلطة يلتحق بمحض إرادته بمصحة للأمراض العقلية للإفلات من السجن (one flew over the cuckoo's nest) لميلوس فورمان.
 
أذكر هذا الاستشهاد السريع، لمن أراد أن يستفيد ويستنتج أفكار القصص التي تحويها المسلسلات اليمنية، فمثلا، من متابعتي لبضعة حلقات لمسلسلات هذا العام، يمكن أن أستنتج أفكار تلك المسلسلات تقريباً، ويمكن لغيري أن يراها خاطئة وأن الفكرة مختلفة، وبالتالي علينا الاستعانة بأصحاب الشأن أو الخبراء ومؤلفي القصص إن كانوا متابعين..
 
وعلى سبيل المثال، أذكر أفكار ثلاثة مسلسلات:
* مجموعة من الطامحين، يسافرون عن طريق البحر بطريقة غير شرعية بحثا عن مستقبل، يقعون ضحية للقبطان وعصابته.. يستقرون في جزيرة (مسلسل خلف الشمس).
* رجل وامرأة، يخططون لنهب مسافرين على متن باص، بالتوازي هناك جهة ما تخطط لاستهداف شخصيات في الباص نفسه (مسلسل مخلف صعيب).
* أقارب يعيشون في حي متنوع، مختلفون على تركة "البيت الكبير"، عصابة ما تبحث عن كنز مع الورثة وسط أفراد مجتمع يبدو متجانس ولكن لكل واحد منهم تفاصيله (مسلسل ليالي الجحملية)..
 
في المسلسلين الأول والثاني، تبدو الفكرة متشابهة، ورغم أن الفكرتين، يمكن معالجتهما بصناعة أكبر قدر ممكن من الأحداث المشوقة نظرا لإمكانية وضع عراقيل لا حصر لها أمام حاجة الأبطال، إلا أن التشويق في هذين المسلسلين، وغيرها، يبدو غريباً.
 
أما في المسلسل الثالث فيبدو أن البطل هو المكان، ما يعزز هذا الرأي، هو التنويه الذي تقوم به القناة قبل بدء عرض الحلقات، حول حي الجحملية، علاوة على اسم المسلسل نفسه.
 
وهذا النوع من القصص، يبدو وكأنه ينقل سيرة ذاتية للمكان، ما يستدعي التعمق في تفاصيل الأمكنة وأناسها إلى حد كبير، غير أن الظروف التي تعيشها مدينة تعز، فرضت على فريق المسلسل اختيار حي في الأردن ومن ثم محاولة محاكاة حارة الجحميلة من خلال الديكور، ليبدو المكان بعيدا عن دور البطولة، ولهذا كان يمكن تمثيل الوقائع في حارة غير الحارة وباسم غير الاسم بكل سهولة طالما وقد توفرت الحبكة، وصعود الأحداث واختلاف الشخصيات على ذلك النحو..
 
في المسلسلات الثلاثة التي أشرت لها، توجد قصة/ فعل، وهذا شيء جيد درامياً، لكن قد يكون هناك خلل في أداء الشخصيات لهذا الفعل، أو في اللغة المعبرة عنه كما ينظر أرسطو، أو خلل في بناء عملية التشويق.
 
لا أقول قد يكون هناك.. بل المؤكد أنه يوجد مثل هذه الهفوات، إضافة إلى مشكلة عويصة ومهمة متصلة بطول الحبكة، ولأن الحديث يطول، فسأترك الحديث عنها للأسبوع القادم إن شاء الله..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر