أسطورة لا تتحقق


نور ناجي

  تقول الأسطورة اليونانية إن الإنسان عاش جوار الآلهة بهيئة كائن يحمل أربعة اذرع وأربعة أرجل بينما حمل رأسه وجهين كل في جهة، قبل أن يشعر الإله "زيوس" بالقلق نتيجة تزايد قوة ذلك الكائن، فيشطره وينزله الأرض متفرقاً. وليس التعلق الذي يربط المحبين بعضهم لبعض وشعورهم الدائم بأنهم التقوا مسبقاً، سوى نتيجة التقاء شطري كائن واحد لم يكن له أن يتشظى. 
 
ومع إدراك الإنسان لخرافة الاساطير، وحقيقة أنها ليست سوى حلول مؤقتة للقضايا التي استعصت على فهمه، ألقى بأسباب مشاعره إلى أمزجة القلوب وتقلباتها، قبل أن يتطور العلم ويؤكد بتجاربه المخبرية أن انفعالات البشر ليست سوى نتاج تفاعلات "كيميائية/بيولوجية" مركزها الدماغ، تتبادل الهرمونات فيها الأدوار قبل أن تذوي وتتلاشى ما أن تنتهي من أداء وظائفها. فكما ينشأ الحب نتيجة بعض التفاعلات، يبهت وينطفئ لذات السبب.
 
بعض الحقائق العلمية تشعرك بالإحباط وتزيل عن قصائد الشعراء ومعلقاتهم الكثير من سحرها قبل أن تنتفض: لم يقل العلم الحقيقة كاملة ما زالت قصص الحب الأصيلة تصدح عن نفسها بشجاعة.
 
شهد القرن الماضي قصة حب غير عادية جمعت الكاتبة "مي زيادة" بشاعر المهجر "جبران خليل جبران". علاقة خالفت المقاييس العلمية التي تحدد فترات تقريبية لمراحل الحب، واستمرت لمدة عشرين عاماً!..
 
ولدت مي زيادة في "ناصرة فلسطين"، العام 1886م من أب لبناني وأم سورية، نشأت وتلقت تعليمها في لبنان قبل أن تنتقل مع والديها إلى القاهرة- قبلة المثقفين والأدباء ذلك الوقت. لم يطل بها المقام حتى انشأت صالونها الأدبي، الذي جمع كوكبة أدباء ذلك العصر، مثل: طه حسين، وعباس محمود العقاد، وأحمد الزيات، واحمد شوقي.
 
لم تملك "مي زيادة" الجمال الجامح لإيقاع أدمغة أولئك الأدباء في غرامها؛ إلا أن ذلك حدث وأخذ الأدباء يعترفون لها بحبهم تباعاً. أي فتاة كانت ستشعر بالسعادة أمام ما اتيح لها من خيارات؛ لكن "مي زيادة" فاجأت الجميع برفضها لهم وتمسكها بالشاعر "جبران خليل جبران". 
 
"على الأغلب أن زيوس كان سيشعر بالحنق لنتيجة ذلك اللقاء!" تقول بتشفي، قبل أن تتفاجأ ببقية أحداث القصة، فلم يلتقِ العاشقان طيلة سنوات حبهما، ولم يحاولا!. مازال جبران خليل جبران في مدينة نيويورك بعيداً عن مي زيادة بآلاف الأميال، مكتفياً بالرسائل المتبادلة بينهما.
 
لخط اليد مذاق خاص، لكن هل يمكنه فعلا أن يبقي المرء معلقاً بطرفه لعشرات السنين؟! يبدو أن "مي" وقعت في ذلك الفخ، لكن لماذا اسميه فخاً؟ لعل قلبها أو دماغها، أيا كان محرك مشاعرها، هو من أراد ذلك التأرجح، حين وجد في تلك العلاقة مسافة آمنة، ستحميه من خوض تجارب مجهولة النهايات، كما إن الشغف الدائم سيكون مادة غنية لقريحتها.
 
تتداخل المشاعر حتى لا تقدر على تمييزها، وقد المحت الشاعرة لبعض حيرتها في إحدى الرسائل: "أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب، أقول هذا مع علمي بأن القليل من الحب كثير، كما أن الجفاف والقحط واللاشيء بالحب، خير من النزر اليسير، كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا؟ وكيف أفرّط فيه؟! لا أدري.."..
 
هناك استثناء دائماً. على الرغم من العالم المفتوح ل"جبران" والعلاقات المتعددة التي رافقت مسيرته، إلا أنه لم يقبل بالتخلي عن "مي" أو رسائلها. لعل الشك في إمكانية انطفاء حبه لها، بعد أي لقاء، كان سبباً لتخاذله، لكنه استمر بكسر حواجز الجغرافيا مناجياً إياها وكأنها تجلس أمامه:
 
"أفكر فيك يا ماري كل يوم وكل ليلة، أفكر فيك دائماً، وفي كل فكر شيء من اللذة وشيء من الألم، والغريب أنني ما فكرت فيك يا مريم إلا وقلت لك في سري “تعالي واسكبي جميع همومك هنا، هنا على صدري”، وفي بعض الأحيان أناديك بأسماء لا يعرف معناها غير الآباء المحبين والأمهات الحنونات.. وها أني أضع قبلة في راحة يمينكِ، وقبلة ثانية في راحة شمالكِ، طالباً من الله أن يحرسك ويبارككِ ويملأ قلبكِ بأنواره، وأن يبقيكِ أحب الناس إلىّ”..
 
توقفت الرسائل بعد وفاة "جبران"، ليُكسر قلب "مي"، وتدخل مصحة نفسية، لا تلبث أن تخرج منها حتى توافيها المنية وحيدة!..
 
لا تكاد تنتهي من جمع فصول القصة حتى يصيبك الحزن، من المؤسف أن يشعر الغريب بإخلاص وصدق ثنائي أختارا تكذيب قلبيهما!..
 
يحدث أن تشعر بالجبن أمام مشاعرك، فتختار الوهم عنها. بعض الخيال أكثر جمالاً من الواقع، بل إنه يصلح أن يكون متنفساً مناسباً لمجمل حياتك. على الأغلب أن " مي وجبران" كانا من "الأنصاف" التي خلقت لتقارع العلم ونظرياته الباردة، لكنهما لم يملكا شجاعة الفعل على الرغم من سهولته!!.
 
تمكن العلم من توصيف أدق الانفعالات التي تصيب المرء لحظة وقوعه في الحب، إلا ان توصيفه مازال ناقصاً.. لماذا تشعر بالتعلق تجاه شخص دون غيره؟! ولماذا كان في الأمس وليس اليوم أو غداً؟! وما الذي يجبرك على التمسك بأحاسيس معينة، رغم اذاها؟!
 
 لعل جهلنا لتلك الإجابات هو ما يمنح الحب سحره ويجعله أسطورة لا تتحقق حتى يتحلى أطرافها بالشجاعة. 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر