أبعاد وتداعيات تعيين إيران سفير لها لدى جماعة الحوثيين (تحليل خاص)

 

أعلنت الخارجية الإيرانية، في السابع عشر من أكتوبر/ تشرين أول 2020، إيفاد "حسن إيرلو"، إلى صنعاء، بوصفه سفيرًا فوق العادة، ومطلق الصلاحية، لدى حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليًا. لكن السفارة لم تحدد زمان وكيفية وصول السفير إلى صنعاء، في ظل الحظر الجوي والبري والبحري، الذي يفرضه التحالف العربي، على الحوثيين منذ مارس/ آذار 2015..!! وفي الوقت ذاته، لم يُكشف عن الصورة الشخصية للرجل، ولم يُلحظ أي لقاء له مع قيادي في سلطة جماعة الحوثيين؛ لتبدو المسألة غامضة، وتتجاوز ما هو مألوف في الأعراف الدبلوماسية.
 
وقد أثار الصحافي الأحوازي، محمد مجيد، عبر صفحته في موقع التدوين المصغر "تويتر"، أن "حسن إيرلو" شخصية مجهولة دبلوماسيًا؛ إذ لا وجود لهذا الاسم في قوائم الخارجية الإيرانية، وأنه أخ لشخصين قُتلا بالقرب من البصرة عام 1987 أثناء الحرب العراقية الإيرانية؛ لكنه فرض، كذلك، أن هذا الاسم قد يكون مستعارًا لعبد الرضا شهلائي، الموجود في مناطق سيطرة الحوثيين منذ اندلاع الحرب عام 2015، والذي يعد قياديًا بارزًا في فيلق "قُدس" المعني بالشئون الخارجية للحرس الثوري الايراني؛ أي أن عبد الرضا شهلائي يلعب دورًا مماثلًا لدور قاسم سليماني، الذي اغتالته الولايات المتحدة مع رفيقه أبو مهدي المهندس، بالقرب من مطار بغداد مطلع يناير/ كانون الثاني 2020.
 
الجدير بالذكر أن إيران تعد الدولة الوحيدة التي تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع جماعة الحوثيين، (يليها سورية ولكن على نحو أقل)؛ حيث عيَّنوا في أغسطس/ آب 2019، سفيرًا لهم لدى إيران بعد قيام الحكومة اليمنية، المعترف بها دوليًا، بسحب السفير اليمني لدى طهران في مايو/ أيار 2015  نتيجة لتورط إيران في دعم انقلاب الحوثيين وتدخلها عسكريًا وسياسيًا في الشأن اليمني، (أما سفير الحوثيين لدى دمشق، فقد عُيِّن في مارس/ أذار 2016).
 

الظروف والأبعاد الداخلية والخارجية

جاءت هذه العملية في أثناء قيام الحوثيين بعملية تبادل للأسرى والمحتجزين مع الحكومة اليمنية، المعترف بها دوليًا، لعدد 1056 أسيرًا ومحتجزًا، من ضمنهم خمسة عشر جنديًا سعوديًا، وأربعة جنود سودانيين، وذلك تنفيذًا لاتفاق ستوكهولم المبرم بين الطرفين، وبرعاية الأمم المتحدة، في ديسمبر/ كانون الأول 2018، والتفاهمات الأخيرة التي جمعت بينهما في مونترو بسويسرا، أواخر سبتمبر/ أيلول 2020.
 
 
وفي سياق ذي صلة، أفرج الحوثيون عن رهينتين ورُفات ثالث، يحملون الجنسية الأمريكية، وهم: "ساندرا لولي"- التي احتجزت قبل ثلاث سنوات-؛ ورجل الأعمال "ميكائيل جيدادا"؛ أما الثالث فهو "بلال فطين"، فيما استقبل الحوثيون 200 شخص من أنصارهم الجرحى والعالقين لفترة طويلة في عُمان، عبر طائرة تابعة لسلاح الجو السُّلطاني العُماني، أقلتهم إلى مطار صنعاء الدولي الخاضع للحوثيين أنفسهم، ضمن عملية مقايضة بين الطرفين، يعتقد البعض أن الحوثيين وإيران استغلوها لتهريب السفير الإيراني، وذلك على فرض صحة إعلان الخارجية الإيرانية (بوصول سفيرها إلى صنعاء).
 
إجمالا، لا تزال تفاصيل العملية مجهولة؛ إذ لم تقُل مختلف أطراف الأزمة في اليمن شيئًا مفيدًا في هذا الخصوص. فالقيادي في المجلس السياسي الأعلى (السلطة العليا للحوثيين)، محمد علي الحوثي، قال إن الطائرات التي أقلَّت العائدين من سلطة عمان إلى صنعاء، خضعت لتفتيش التحالف. أما الخارجية الأمريكية فوصفت العملية بأنها تهريب لعضو في الحرس الثوري المرتبط بحزب الله اللبناني، تحت غطاء سفير، بقصد استغلال الحوثيين لتوسيع نفوذ إيران في اليمن. ومن جانبها أعتبرت الحكومة اليمنية أن ما قامت به إيران يعد مخالفة للقانون الدولي، وقرارات مجلس الأمن الدولي، سيما القرار 2216 (2015). فيما الحكومة العمانية لم تعلِّق على ذلك، حتى الأن.
 
على الرغم من كل ما سبق، فإن ثمة من يزعم أن العملية جرت تحت سمع وبصر التحالف العربي والحكومة الشرعية، بناء على تفاهمات مع الولايات المتحدة لضمان إتمام صفقة إعادة الثلاثة الأمريكيين المحتجزين لدى الحوثيين؛ حيث سبق أن أجرى السفير الأمريكي لدى اليمن عدة لقاءات مع مسئولين في الحكومة اليمنية الشرعية، بينهم نائب الرئيس اليمني، الفريق علي محسن الأحمر، وذلك خلال شهري يوليو/ تموز وأغسطس/ آب الماضيين، في وقت كان فيه المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيت، يجري لقاءات عديدة بشأن تبادل الأسرى، وفقًا لاتفاق ستوكهولم عام 2018، غير أن ربط هذه التحركات بواقعة تهريب السفير، لا تبدو منطقية، بالنظر إلى موقف كافة الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة، من الدور الإيراني في اليمن والمنطقة عموما!!.  
 
وفي سياق عملية التبادل هذه، وليس تهريب السفير، يمكن الإشارة إلى ما أثارته صحيفة الواشنطن بوست الأمريكية في سبتمبر/ أيلول الفائت، بشأن قيام إدارة ترامب بدراسة إدراج جماعة الحوثيين ضمن قوائم الإرهاب الأمريكية، إلا أن هذا الجدل اختفى فجأة، ولم تقم الولايات المتحدة بأي خطوة في هذا الاتجاه، ولعل المسألة كانت تكتيكًا متعمدًا ضمن جهود أمريكية للضغط على الحوثيين للإفراج عن رهائنها الثلاثة.
 
في البعد الداخلي اليمني، تأتي عملية تهريب السفير، أو الإعلان عنها، في ظل تصاعد نشاط المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيت، لإيجاد حل سياسي للأزمة اليمنية؛ حيث يحاول غريفيت انتزاع توافق أطرافها حول مسودة اتفاق تتضمن تعديلات جديدة، وفقًا لوجهة نظر الحوثيين، مع ما يثار بشأن ضمان قطع الحوثيون صلاتهم بإيران لتحقيق تقارب بينهم وبين السعودية. وهكذا فإن إعلان إيران، دون الحوثيين، عن دخول سفيرها إلى اليمن، قد يكون لقطع الطريق أمام ذلك، وللتغطية على مفوضها الحقيقي الموجود لدى الحوثيين، وهو عبد الرضا شهلائي.
 
وفي البعد الداخلي الإيراني، جاءت الواقعة مزامنة لإعلان إيران عن انتهاء سريان حظر الأسلحة المفروض عليها من قبل مجلس الأمن الدولي، الذي صادف يوم 18 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، وقد استغلت الحكومة الإيرانية كل ذلك، لإعادة بناء الثقة المهتزة للشعب الإيراني في هذه الحكومة، نتيجة لما تواجهه من تحديات اقتصادية قد تتسبب في اندلاع احتجاجات شعبية عارمة، على غرار ما شهدته البلاد نهاية عام 2019، وأوائل عام 2020 الجاري.
 
وبهذه العملية، أو الحركة الاستخبارية التي ربما لم تحدث على الواقع أصلًا، فإن إيران رمت، من خلال ذلك، تشتيت الأنظار عن وجود "علي رضا شهلائي" لدى الحوثيين، وإيصال رسائل عدة إلى خصومها في اليمن والسعودية والولايات المتحدة، تصب- كلها- في تكوين فكرة واضحة بأنها قادرة على إحداث ما يربكهم ويتعارض مع مصالحهم، مهما كانت قوة الحصار المفروض عليها وعلى الحوثيين.
 

التداعيات المتوقعة على الأزمة اليمنية

يمكن إبراز تداعيات الموقف الإيراني في ما يلي: -

- إيران: انتقلت إيران إلى التأثير المباشر في الملف اليمني أكثر من ذي قبل، وبموجب ذلك تصبح لاعبًا رئيسًا وواضحًا بجانب الحوثيين، أمام مختلف الأطراف الداخلية والخارجية، ولا يمكن استثناؤها في أي تسوية سياسية قادمة. ومن المؤكد أنها لن تسمح بتعريض الحوثيين للانكسار عسكريًا، وستناور بهم، مع احتمال التفريط فيهم أيضا لتحقيق مصالح خاصة بها مستقبلًا، كما استغلتهم وغيرهم من الحلفاء غير الدوليين، في التسوية السياسية بشأن ملفها النووي مع الغرب.
 
- الحوثيون: لن يؤدي إعلان إيران تعيين سفيرٍ لها لدى الحوثيين، إلى أن تحذو حذوها دول أخرى. إذ على سبيل المثال: لم تقُم سورية بتسمية أي سفير لها لدى الحوثيين، على الرغم من قبولها تعيين الحوثيون سفيرًا لهم لديها، في مارس/ أذار 2016. وكذلك موقف العراق، فحتى على الرغم أنها تُعد أقرب إلى المحور الإيراني؛ إلا أن سفير اليمن في بغداد يمثل الحكومة الشرعية. أما الدول التي أبقت على بعثات دبلوماسية مصغرة لها بصنعاء لخدمة رعاياها ومصالحها، كالهند مثلا؛ فإنها لن تجازف بذلك أيضا، فلا يزال الإجماع الدولي بجانب الحكومة الشرعية بفعل مصالح الدول المرتبطة بأطراف التحالف، وعلى وجه الخصوص السعودية، فضلًا عن الالتزامات الدولية.
 
داخليًا، انعكس الإعلان عن تعيين السفير الإيراني لدى الحوثيين، سلبًا على الجماعة؛ حيث تعززت شبهة الولاء والدعم الإيراني بشكل أكبر من ذي قبل؛ وأن الحركة الحوثية ليست حركة يمنية خالصة، سياسيًا وفكريًا، بل متغيرًا تابعًا في معادلة المصالح الإيرانية، وذلك ما قد يقلل من تماسكها، وتراجع الالتفاف الشعبي حولها، سيما أنها تواجه بوادر انقسامات بين تيارات وطنية وأخرى موالية لإيران، وسخطًا حادًا تجاه قادة عسكريين في الجيش الموالي لهم، واللجان الشعبية (ميليشيا الحركة الحوثية)؛ بفعل تراجع الأداء القتالي وتصاعد الخسائر البشرية في صفوف المقاتلين، وربما يؤدي ذلك إلى هيجان شعبي، في حال استمرار هذا الوضع، مع سوء الوضع الاقتصادي، واستغلال ذلك من قبل خصومهم.
 
عسكريًا، قد نشهد تحولًا محدودًا في الأداء القتالي للحوثيين، بعد تراجعه خلال الثلاثة الأشهر الماضية، ويشمل ذلك تحول في القدرات العسكرية؛ إذ لن تجد إيران والحوثيون ما يعوق ذلك، سيما بعد رفع حظر الأسلحة على إيران، وعجز التحالف عن الحؤول دون وصول تقنيات الصواريخ الباليستية والطائرات غير المأهولة (دون طيار)، وغيرها من معدات القتال، إلى الحوثيين، طوال الخمس سنوات الماضية من الحرب.
 
- الحكومة الشرعية والتحالف: ستستغل الحكومة الشرعية وأنصارها، وقد بدأوا بذلك فعليًا، في التشنيع بالحوثيين، وإبراز ارتباطهم بالمشروع الإيراني، وأن قرارهم السياسي والعسكري يخضع لإرادة حاكم عسكري إيراني؛ ما يعد- كذلك- مبررًا كافيًا لهذه الحكومة للاستمرار في محاربة الحوثيين، وحث السعودية على عدم التهاون في ذلك بوصفها الهدف الأول لإيران في إطار مشروعها التوسعي لفرض الهلال الشيعي وتصدير ثورتها "الإسلامية".
 
بالنسبة للسعودية أيضا؛ فبقدر تأكُّد الرياض أن المواجهة مع إيران قد تطول في اليمن، فإنها ستعمل بوتيرة أكبر على دعم حلفائها أمام الحوثيين، بالطريقة التي تراها مناسبة أكثر لحماية أمنها الوطني ومصالحها المختلفة.
 
أما الولايات المتحدة، فستضاعف جهودها، بالتعاون مع حلفائها في التحالف واليمن، لمواجهة النفوذ الإيراني، أو التعامل الانتهازي مع تهديد الحوثيين، مثل تعاملها مع غيرهم من الجماعات المسلحة الطارئة، بوصفها أوراق ضغط لتحقيق مصالح استراتيجية خاصة. فإذا ما قررت الخلاص منهم، فإن تكلفة ذلك لن تكون باهظة الثمن؛ ذلك أن أرض المواجهة ستكون بعيدة عن مصالحها ومصالح غيرها من الدول الحليفة، في البحر الأحمر وخليج عدن، وكذلك بالنسبة إلى الأموال والمقاتلين، فإن فاتورتها ستكون خليجية ويمنية.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر