الطفلة "بسمة"..وقصة عازف المزمار..


نور ناجي

 عندما يقترب الإنسان من حافة الانتحار لا يكون هو المتحكم في زمامه، ينزوي في قاع نفسه تاركاً المكان لليأس الشجاع لكي ينهي مالم يتجرأ هو على القيام به..
 
وقد أصبحنا في وطن نال الأطفال منه ما يفوق قدرتهم على التحمل، معاناة هربنا منها نحن الكبار بازدواجية مرعبة، نلقف البارود لأسلحة صدئة ذات أعيرة (فشنك) خلف شاشات هواتفنا، ما أن نبتعد عنها للواقع الحقيقي حتى ننحني نلثم أطراف أثواب ميليشيا لا تنتمي للإنسانية بصفة..
 
لم يقف أطفال هذه الأرض حيارى طويلاً بين يقين الإيمان وحلول اليأس السريعة المتاحة امامهم، فقرروا الهروب بعيداً عن سلبيتنا وتخاذلنا..
 
اترفق بنفسي وأنا افر من صورة (بسمة) الطفلة الهاربة من رسوم دراسية لا تتعدى الخمسمائة ريال لم تستطع عائلتها توفيرها لها، وقد علقت رقبتها على حبل رفيع قاسي..
 
ارفض حقيقة تلك الصورة بالبحث عن خيار يريحني بأنها خبر ملفق وملامح مزورة، فالساحة مليئة بزيف لم يبق للصدق فيه مكان!..
 
فكيف لي اعادة مشهد انتحارها إن كان حقيقة وقعت بالفعل، كم لبثت واقفة أمام الحبل، وما الذي كانت تفكر به وهي تربطه ؟! هل تساقطت دموعها مشفقة عليها، أم أنها عنفتها بقسوة لإتمام المهمة؟..
 
لا أعتقد ان الكبار أخذوا من وقتها الكثير، فما جدوى التفكير فيهم، رجال ونساء فقدوا اهليتهم بفقدان كرامتهم، مع كل يوم يمر نردد على مسامعنا بحزم، غدا سيكون يوم الرفض، يوم استرداد الكرامة، لنصحو مختبئين من الأرض وأنفسنا بادعاء الجهل والعمى، فنحن اكثر جبناً من امتلاك لحظة شجاعة يائسة لبسمة..
 
من الجيد أن فارقتنا تلك الطفلة وغيرها ممن سبقوها، ففي قرارة أنفسنا أمنية مطوية باستقدام عازف ناي يختطف أطفال لا نستحقهم ليخلصنا من عبء حمايتهم..
 
"عازف المزمار"، قصة الاطفال التي يرجح المؤرخون بأن منبعها الحقيقي جاء نتيجة اختفاء أطفال مدينة هاملن الألمانية، "اختفاء" لم يتحدث عنه أهاليها مطلقا بعد سنوات من مجاعة كبرى..
هل كانوا يخشون من انكشاف أمر التهامهم لأطفالهم، أم أنه شعور العاجز عن إيقاف خطوات الموت!!..
 
ربما هي مجرد أسطورة، وكان خلاص أطفال تلك المدينة بطريقة مغايرة لا تختلف عن طريقتنا في الوقت الحالي، نحن أيضا نلتهم اطفالنا وإن لم ننزع لحومهم بأيدينا..
 
ابتكرنا لذلك أسلوب جديد مستحدث، فلا أشد من التجاهل والخذلان إن انقطعت حباله عن ضعيف عاجز معلق آماله علينا، يتشبث بغيره بلهفة، وإن كان على رقبته! وهو يرجو منه أمن وسكينة أبدية..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر