صندوق "اللاشيء"


نور ناجي

 مازلت وعادل- أخي الأصغر- نتبادل النقاشات الحادة وكل منا متمسك برأيه قبل أن يحاول تهدئة الجو ويقول: "لا داعي للعصبية لن تتمكني يوماً من اقناعي بافكاركِ والعكس، نختلف في طريقة التفكير، وليس من السهل عليكِ استيعاب الكيفية التي يعمل بها دماغ الرجل!"، قال ذلك قبل ان يتلفت حوله في المكان الخالي من سوانا، ويقترب ليهمس في اذني: "هل لكِ بكتمان سر؟!"، لم ينتظر اجابتي واكمل: "تحتوي ادمغتنا على صناديق خاصة، عصية الحل على النساء، وان تدربن على يد أمهر صانعي الاقفال واكثرهم خبرة!"..
 
"يال الغرور!" كدت اهتف قبل أن يرفع كفيه امامي ويبداء بالعد بشكل طفولي: "هناك صندوق للتفكير بالعمل، وآخر نضع به أدوات القياس وأوراق شفافة لرسم وتخطيط المستقبل به، وآخر للرفاق، خاصة اصدقاء السوء منهم، وبجواره يقع الصندوق الخاص بتعاملاتنا مع رؤساء العمل، زمّ عادل شفتيه أمام ملامح عدم الفهم التي بدت واضحة علي، ليزفر بحنق: "يبدو أن علي التوضيح أكثر!"!..
 
استغرق في التفكير للحظة قبل أن يشير لي بالابتعاد قليلا ويحرك ذراعيه بطريقة مسرحية، "الن تتوقف عن الاعيبك؟!"، قلت بملل قبل أن أفتح جفناي على وسعهما وقد بدات جدران المكان تتلاشى وتحيطنا خلايا دماغ بشرية لم تتوقف عن أداء عملها بكل كفاءة. لم اكد أصحو من دهشتي حتى امسك عادل بكفي وآخذ يقودني في تلافيف "دماغ الرجل" كما قال.. 
 
سرت خلفه دون أن أصدق وجودي وسط جمجمة بشرية فعلاً! "هناك حيلة ما، طالما برع عادل في فنون الايحاء، ولن يخرج ما وضعني فيه عن مجرد اوهام اجاد في صناعتها!"، زممت شفتي بعزم قبل أن اسند كفي على جدار الخلايا واشعر برطوبتها..
 
امممم، ربما أوصلني عادل بحيلة ما إلى دماغ بشرية حقيقية، إلا أن لا شيء فيها يثبت أنه لرجل، لا فرق علمي بين ادمغة الجنسين، لا أحد سوى العلم سيتمكن من اقناعي بغير ذلك! تاهبت للرد قبل أن المح بعض الصناديق والعلب التي تم تثبيتها على جدران الخلايا بأربطة أعصاب قوية، اشار رفيقي إلى أقربها وقال بثقة: "ما ترينه امامك هو صندوق الزواج والاطفال..
 
تابعت جولتي متوخية حذري من أن ادوس على الشعيرات الدموية، بينما أخذ بصري يتنقل بين الصناديق المتفاوتة الحجم، هل اجادت الخلايا في اخفائها أم أنها تحمل خاصية تجعلها غير مرئية على العدسات؟!..
 
 مازلت اتسائل عن حقيقة ما أرى، قبل أن يلفت انتباهي صندوق بالوان زاهية، اشرت لعادل الذي اجابني ببعض الخجل: "أنه صندوق المتعة الخفي!"، استدرك سريعاً حين لاحظ تعكر مزاجي: "لا تحكمي على صاحب الدماغ، على الأغلب أنه يحتفظ به على سبيل التسلية البريئة لا أكثر!"، ادرت رأسي بازدراء لصدى ضحكة رفيعة انطلقت من قاع الصندوق، تجاهلتها ما امكنني حتى لمح بصري صندوق آخر في أحد الاركان..
 
كان ذلك الصندوق مختلف عن البقية، لم يكن حجمه الواسع أو الوانه ما اثار شكوكي، بل المبالغة الشديدة في حرص الخلايا على احاطته، حاول أخي التملص من اجابتي لولا أن ضيقت عليه الخناق: "أعترف اني أخطأت حين تجاهلت فضول النساء"، زفر بعمق واكمل: "لعلكِ ستكونين أول زائرة لهذا الصندوق فمن غير المسموح لغير الرجال لمسه أو حتى النظر لمحتواه!"..
 
ما أن رفع عادل غطاء الصندوق حتى شعرت بالمفاجأة، تخدعنا الصورة أحياناً، فمن يرى العلبة من الخارج يعتقد جازما أنه قد لا يتسع لكتاب متوسط الحجم، لكن بمجرد أن تم رفع غطائه حتى ظهر لي داخله فراغ واسع يكفي "كراج" عربة دفع رباعي، ما هذا الصندوق الغريب، هل هو المختص بالسياسة وإشعال الحروب؟!..
 
لمحت نظرة السرور في عادل قبل ان يرجع  للخلف بضع خطوات، ويقفز بعدها نحو الصندوق الذي ابتلعه ببساطة، "اين ذهبت؟!" هتفت بجزع قبل أن اطل من تلك الفتحة واجده قد فرد جسده على تلك القاع، واستخدم كفيه كوسادة خلف رأسه!..
رفع بصره نحوي بكل اريحية، وهتف بجزل على طريقة آل باتشينو :" اوهيااااااا، أنه صندوقنا المفضل، صندوق الحياة الهادئة، أو بمعنى ادق "صندوق اللاشيء"..
 
 تنبهت حينها لخلو الصندوق، فسألته مستنكرة عن وظيفته: "ما الذي يمكن عمله في هذا الفراغ عدى أخذ قيلولة داخله؟"، غادر عادل الصندوق بحركة بهلوانية سريعة: "احسنتِ، هذه هي وظيفته تماماً، حين تجد المرأة الرجل منغمسا في تفكير عميق ويبدو على ملامحه خطورة الموقف لايجاد حل لها، يكون في حقيقة الأمر وسط هذا الصندوق لا يفكر في شي، أو بمعنى أدق يمكنك القول إنه يفكر في "اللاشيء!"..
 
لم استطع تمالك نفسي، وقد شعرت بغصة في صدري للهدوء الذي بدى على ملامحه بعد مكوثه ثوان قليلة في ذلك الصندوق، ماذا لو بقي فيه لساعة أو اثنتين، لا بد وانه لن يعاني مطلقاً من مشاكل الشعر أو البشرة!، اين العدالة والمنطق في مثل هذا الاختلاف الفريد؟!..
 
حتى حين أحاول، لا أملك كأمراة أي فسحة من الوقت، ما ان انهي ساعات وظيفتي واعمالي المنزلية التي لا تنتهي فعلياً، حتى اجدني مضطرة لأداء واجباتي ومجاملاتي الاجتماعية. لا اكاد اسرق بعض من الوقت للقراءة أو سماع بعض الموسيقى حتى تهتف بي القنوات الاخبارية وصفحاتها عن خبر هنا أو هناك يدل على نهاية وشيكة للحرب؛ كيف أتمكن من الصمت أو افكر في "اللاشيء" بينما يجبرني دماغي كل مساء على التأكد للمرة الالف ان كنت قد اطفأت مفاتيح الكهرباء أم أن ذلك كان البارحة!..
 
انهيت صراخي وقد تناثر لعابي حولي، لأسمع عادل وهو يربت على كتفي: "وهنا يأتي الاختلاف الجوهري بين الرجل والمرأة، عقولكن عبارة عن شبكة شبيهة بشبكة الإنترنت، لا تتوقف عن العمل وربط الاشياء ببعضها البعض، تعتقدين انكِ تبكين خطأ السباك في تركيب حنفية الماء، بينما كانت دموعك تذرف بسبب ضيق الفستان الذي ستحضرين به حفل سعاد، على العكس منا نحن معشر الرجال، كل شيء موضوع في صندوقه، لا يتعدى وظيفته المخصصة له ولا يخرج منها إلا في حالة استدعائه في الوقت المناسب له..
 
حاولت رفض نظريته بينما كنت ابحث في ثنايا عقلي عن بعض صناديق يخفيها دماغي دون جدوى، "لا تبتأسي، مازال هناك نقاط تشابه بيننا، نادرة لكنها موجودة"، قال عادل مواسيا قبل ان يمسك جبينه في محاولة لتذكر إحداها: "اممممم لا تسعفني ذاكرتي في الوقت الحالي، لكنها حتماً موجودة، لا يعني اختفائها أو اختلافنا، الوصول لحد التصادم"، استدار لنعود ادراجنا وهو يتمتم بهدوء: "لن أوصف اختلافكن عنا على أنه عيب مصنعي، من الممكن اعتباره خط انتاجي بمواصفات مختلفة!"..
 
أخذت ألملم أفكاري قبل ان يختفى الدماغ البشري من حولي، وتستعيد جدران الغرفة مكانها. اتجهت نحو الباب وقد شعرت بالتعب، لم أكد أمسك اكرته حتى توقفت، واستدرت بحثا عن عادل، الذي كان قد عاد لمقعده قاطباً جبينه، وقد استغرق في نوبة تأمل، هل انتقل لمكان اخر؟ "لقد كان حتماً في الصندوق!، تمتمت وانا اجز على أسناني!..
 
لم يكن بروده هو ما اثار غيظي، بل معاملته السهلة لما حوله! لا يجدر بأحد أن يأخذ الحياة بهذه البساطة. كان عادل أصغر اخوتي واقربهم لنفسي. وعلى الرغم من مرور زمن على تغيير حفاظاته له، إلا أني مازالت أشعر بالمسؤلية تجاهه..
 
"لا ينبغي لي أن أتخلى عنه"، زممت شفتي أمام مهمتي الخاصة، لن يكون ذلك بالأمر العسير، بعض التنقلات الخفية عبر شبكة دماغي الخاصة وموصلاتها، بينما هو منشغل في احد صناديقه، ربما أنتظر اقرب موعد لمباراة كرة قدم، لن تكون بعيدة، فلا أجمل من سماع هتاف المشجعين لي، بعد حصولي على صندوق" اللاشيء" خاصته. 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر