عاجل

لبنان يعلن إغلاق مجاله الجوي أمام جميع الطائرات القادمة والمغادرة والعابرة بشكل مؤقت

بدء الهجوم الإيراني على إسرائيل بعشرات الطائرات المُسيرة

في رفقة شبح ديمقراطي غربي


نور ناجي

 حملت حقائبي وانطلقت إلى القارة العجوز.. كان ذلك قبل الحرب بسنوات لا بأس بها. ظرف خاص قادني الى أوروبا، ألمانيا تحديدا. كنت أصغر سنا، ولم تكن الهجرة بعد أمنية المبتلين بالحروب. رغم ذلك اندهش من حولي من تبرمي ورغبتي التي لم أخفها بأن تكون الرحلة لمجاهل افريقيا، أو ربما أبعد قليلا؛ القطب المتجمد مثلا. من المفيد تجاهل رغبات المراهقين، خاصة عندما تكون روح المغامرة والاستكشاف مازالت في أعلى مستوياتها!
 
لا أختلف مع أحد في جمال اللون الاخضر- بالطبع قبل أن تشوهه ميلشيا الحوثي. لكني أؤكد لكم بأن إنعكاسهُ على عينيك لفترات طويلة سيجعله أقرب لكابوس؛ كيف يمكنك تحمل محاصرتك بغلاف أخضر لَزِجّ دون أن تكسره قمم جرداء صارمة، أو سهول جرداء تلوح لك بصفرتها المتدرجة وهي تطمئنك على سلامتك؟ يبدو أن الهاجس الأمني مغروس في جيناتنا دون أن نعلم!!
 
مرت الأيام بصعوبة. كلما حاولت الاحتماء من الكابوس الأخضر المحيط بي، تنتزعني المدن الضخمة! من حسن الحظ أني قضيت أغلب تلك الشهور وحيدة وبعيدة عن رفقاء رحلتي الذين لن يطمئنوا لسلامتي العقلية حين أؤكد لهم أن ناطحات السحاب والأبنية العملاقة ليست سوى غيلان متوحشة تستمر في ملاحقتي نية سحقي أو ابتلاع جسدي!..
 
يحدث أن تكون "اشباح المدن" أكثر رأفة بالسواح من أهلها- قلت، وأنا ألمح ابتسامة "شبح لطيف" أخذ يطاردني كظلي!! هل كان شبحا حقيقيا أم أن خيالي أخذ يمارس ألاعيبه عليا كعادته؟! لا يهم.. يكفي أني وجدت رفقة مناسبة أثناء تنقلي بين المعارض الفنية والمتاحف المنتشرة في الأنحاء. هززت رأسي بالموافقة على عرضه الكريم، وأخذت أنصت إليه مدعية الاهتمام لمبرراته التي بدأ سردها بارتباك: "لا أقصد التطفل، لكني لن اقبل أن يأخذ سواح ألمانيا فكرة سيئة عن بلادي". سعدت بذلك الالحاح. طالما وجدني المحيطين بي لطيفة المعشر حتى ابدأ بطرح ما يدور في خلدي علنا..
 
وقفت طويلا أمام تمثال قديم لأحد ملوك بابل. من الموكد أن احتفاظ الغير بقطع أصيلة من تاريخ بلد ما، يحمل الكثير من الأنانية. شعور بالفوقية والعنجهية، الذي لا ينفي حقيقة كون الفعل نفسه "جريمة" لا تسقط بالتقادم. هتفت بحماس: "لا ينبغي السقوط في فخ سرقة التاريخ.. للتاريخ لعنة ستصيب المعتدي عليه عاجلا أو اجلا". اكتفى صديقي "الشفاف" بهز رأسه بإشارة غير مفهومة قبل أن يبتعد عني مدّعيا الاهتمام بقطعة أخرى– مسروقة ايضا..
 
هل جرحت مشاعره؟ أو أظهرت- دون قصد- بعض من حقدي على التاريخ الاستعماري البغيض؟ مشاعر لم أكن أدرك وجودها حتى ذكّرَتني بها الآثار التي استغلت تعاطفي. لا يجدر بنا السماح لأحد باستغلالنا بهدف القيام بثورة نيابة عنه، خاصة ونحن ندرك أن مصير تلك الثورة الفشل، وربما الطرد من المتحف..! لذلك أشحت بوجهي عن الآثار المستجيرة دون أدنى شعور بالشفقة. لم يكن ذلك هو الوقت المناسب لمنحها تعاطفي أو لاستذكار التاريخ والجغرافيا..
 
 يجدر بي البقاء صامتة إن أردت بعض الرفقة في غربتي الإجبارية. لحظات قصيرة أخذت أفكر فيها بكيفية تحسين صورتي أمام الشبح الذي وقف بعيدا، وقد أخذ ينفث دخان سيجار كوبي بتوتر واضح. على الأغلب أنه كان نادما على تسرعه في تقديم خدماته.. البعض يصاب بحساسية من ماضيه الدموي، رغم أن تصحيحه لا يحتاج منا سوى اعتذار صادق.
 
عزمت أن أكون أذكى منه؛ وقد كنت، حين هتفت، وأنا اتجه فجأة نحو جرة آسيوية قديمة، مبدية انبهاري واعجابي بعظمة "ألمانيا"، وحسها المسؤول الذي حدا بها للمحافظة على تلك القطعة كإرث بشري، ومساهمتها في عملية إنقاذه من إهمال أصحابه.. من يدري أي مصير كان سيناله إن لم تتم سرقته من موطنه الاصلي؟ توَسّعت ابتسامة الشبح، قبل أن يلقي برماد سيجارته وسط الجرة ويعود للطفه القديم وهو يثني مرفقه لذراعي حتى نكمل جولتنا. يبدو أن الأشباح لا تختلف كثيرا عن البشر، كلاهم يلين بسذاجة مع بعض المدح..!
 
من الجيد فعلا أن يكون مرشدك السياحي "شبح" وطني فخور بتاريخه. لولاه ما كنت لأهتدي لوجوب زيارة منزل أحد أكثر الشخصيات جدلا، ليس في ألمانيا وحسب؛ بل في العالم كله..
 
وقفت طويلا أمام المنزل الصيفي لهتلر.. من الممتع مشاهدة التاريخ بألوانه الحقيقة بعيدا عن تدرج اللون الرمادي في الصور.. قد يكون ارتداء الرمادي مناسبا في نزهة نهارية، أو أثناء ممارستك الرياضة، حتى تصفعك قسوته وهو يتفاخر بتاريخ دموي أجاد توثيقه. أي وحشية، ودموية قانية، يملكها هذا اللون حين يعرض علينا صور دماء وذكريات حروب قريبة العهد؟!
 
مأخوذة بما حولي؛ أخذت أسير في الأروقة الهادئة حتى بلغت مسامعي أنغام فرقة موسيقية.. طالما كنت محظوظة، لتختار الفرقة الموسيقية العزف في بهو منزل هتلر الصيفي ذلك النهار. تمايلت وأنا اتجه نحو الموسيقى المغوية.. مرت دقائق غاية في الجمال، قبل أن يميل الشبح نحوي هامساً: "كانت هذه المقطوعة لأحد الموسيقيين المهووسين بهتلر.. كنت حاضرا في عرضها الأول". أنهى رفيقي العبارة ثم لاذ بالصمت مجددا..
 
أي تناقض يحمله الانسان؟؛ كيف بإمكانه صنع هذا الجمال ليضعه جنبا الى جنب مع أفعاله الشريرة؟! ما زالت في حيرة من أمري: "هل حقا تم انتخاب هتلر بأغلبية ساحقة؟! كيف آمنت الأغلبية بالرجل، مُنَزّهًا عن العنصرية التي جاهر وتفاخر بها؟". هل كان صوتي مسموعا؟ تساءلت حين لمحت السخرية البادية على وجه الشبح الذي هتف بصوت مرتفع، أجبر الفرقة الموسيقية على إيقاف عرضها: "يا إلهي.. ألن تتوقف شعوب العالم الثالث عن أطروحاتها الساذجة، ومحاولة القاء اتهاماتها المزعومة ضد الدول السباقة للديمقراطية؟ يا عزيزتي قد تُخطئ الشعوب المتحضرة، لكن غيرها سيحتاج لسنوات ضوئية في محاولة اللحاق بالركب.. نحن شعوب تصحح أخطاءها، على عكس غيرها الذين لم يعرفوا سوى أنظمة قمعية ديكتاتورية بائسة.. لا تعتقدي أني لم المح الانتقادات والاستنكار في عينيك منذ التقينا.. حاولت جاهدا ألا أحرجك، لكنك لم تتركي لي أي مجال لذلك"
 
أخذت لحظات حتى استوعبت وقاحته..! ألم يكن من الأسهل عليه أن يتحدث ببعض التهذيب عن سهولة انقياد البشر للشر حين يتلاءم مع المصلحة العامة، دون أن يغفل بأننا فعليا كنا وسط بهو ديكتاتور متفق عليه..؟!
 
كان ذلك النهار أخر عهدي بالشبح الغربي الديمقراطي، بعد أن رفضت- جملة وتفصيلا- محاولات اعتذاره، وأنا أعود لرفقة غِيلان الأبنية والسجادة الخضراء اللزجة بقية أسابيع رحلتي الثقيلة. مرت سنوات نسيت فيها ذكرى شبحي القديمة، حتى انطلقت شرارة الحرب بين روسيا، من جهة؛ وجارتها أوكرانيا بمساندة من الغرب، من جهة أخرى..
 
تعاطفت، بدرجة ما، ضد ما حدث ويحدث لأوكرانيا، حتى عادت لي ذكرى "شبحي" القديم لحظة إطلال أشباه له على شاشات التلفاز.. اشباح تجدد إيمانها بالديمقراطية الغريبة، وتندد وتستنكر قيام حرب ضد دولة "غربية" يحمل أهلها جينات العيون الزرقاء والشعر الأصفر..!
 
أي ديمقراطية عمياء، وحرية ملطخة بالعنصرية، تلك التي كان الشبح العنصري يتباهى بها؟!
 
زيارة قصيرة للماضي، وسنجد أن الغرب ذاته، المتباكي اليوم على أوكرانيا، هو ذاته الغرب الاستعماري الذي استنفذ ما استطاع من موارد شعوب العالم الثالث قبل أن يرحل ويضع له أنظمة قمعية أشد سواء منه، دون أن نسمع منه كلمة احتجاج وتنديد للانتهاكات الصارخة ضد الحريات بكافة اشكالها.. عدى بعض العبارات الساخرة التي مازالت تذكرنا بأننا مازلنا أقل من فهم المعايير الغربية للتحضر..!!
 
ألم يسمع الغرب بما حدث ويحدث في فسلطين لأكثر من سبعين عاما؟! أو أنه لم يفتح أذنيه على هتافات شباب الربيع العربي، وقُمعت أحلامهم بمنتهى القسوة وعوقبت بميليشيا عنصرية مريضة بغرض تأديبه حتى لا يجرؤ مجددا على رفع سقف طموحاته؟! كل هذا كان وما يزال تحت سمع وبصر الغرب المتحضر..!!
 
إن كان في حروب الغرب- فيما بينها- من حسنة، فهي الفرصة التي وضعت لنا للتخلص من عقدة "الشبح الأصفر" الذي يحيا فينا ويشعرنا باستمرار أننا لم نصل بعد لدرجة رُقِيّه وتحضُّرِه.. فرصة لنزع المفاهيم الغربية، ووضع أخرى جديرة بالقتال لأجلها؛ لا تخرج عن عدالة بمقاييس ثابتة بين البشر، ولا تميل أو تنحاز لعرق ولون.. ديمقراطية حقيقية بقوانين تتبرأ من مذابح من سبقها، وتعيد الحقوق لأهلها..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر