على عتبة سبأ


محمد علي محروس

نشتهي سماع أخبار مختلفة عن اليمن، من محافظات قيل إنها محررة وأخرى أوشكت، لكن شيئًا من ذلك لا يحدث، فالحرب سيدة المشهد، وسجالات الشد والجذب تتصدر الموقف!

دونًا عن كافة المحافظات تبقى مأرب ذات صورة ذهنية مختلفة عن البقية، يتفق حولها الغالبية، فالمحافظات القابعة تحت سيطرة الحوثيين لا نسمع عنها غير الممارسات القمعية المستمرة، وإلى جوارها المحافظات المستعادة والتابعة للحكومة الشرعية وهي ذات تباين واسع من حيث الأحداث فيها والمستجدات التي لا تبشر بخير.. وحدها مأرب لا تتقلب ولا تتغير، بلكنة جمهورية وإرادة وطنية، وحضور ملفت لا مثيل له.

بالتأكيد، حري بعدن -عاصمة البلاد المؤقتة- أن تكون الأكثر حضورًا واستجابة لتطلعات اليمنيين واستفادة من الوضع الاستثنائي الذي تعيشه بلادنا، ولكنها للأسف أُدخلت في أتون صراع فاض عن حده، وتجاوزها إلى محافظات مجاورة، وزاد على ذلك أن هدد -وما يزال- الكيان اليمني في كذا مرة، لأسباب لا علاقة لها بما يجري، فقط يراد لها أن تكون كطبيعتها، على فوهة بركان مرشح للانفجار في أي وقت!

أما تعز، فتحاول أن تكون، ولكنها لا تكون، ولا يريدون لها أن تكون محورًا لأي مكسب يمكن البناء عليه بما يساهم في المستقبل اليمني.. دائمًا ما تبدو مهشمة ومهمشة في الآن ذاته.
وبقية المحافظات لها بوصلاتها الخاصة، ولا تملك نصيبًا فعّالًا من حيث التأثير على الوضع في البلاد.

وحدها مأرب فرضت نفسها، وقدمت حضورها بشكل ملفت يستحق أن ننبهر به، فمن مدينة مغمورة غير مأبوه بها، ولا توجد فيها أدنى مقومات الحياة المدنية بمفهومها الواقعي، إلى حاضرة يمن ما بعد الحرب، وعاصمة التنوع اليمني الجامع.

بعزيمة واقتدار، أرادت فكانت، اجتهدت فتميزت، جانبت التوقعات، وخاضت غمار التحدي فكانت بقدره وأكبر.. على غير ما صورها صالح ونظامه كبؤرة للإرهاب، وموئل للتخلف، ظهرت أكثر انتماءً لسبأ، وذات تعلّق بإرث أجدادها الذين حكموا البلاد ذات يوم، وما يزال ذكرهم ذائع الصيت على كل لسان في العالمين.

تشعرنا مأرب بجمهورية ما بعد الحرب، الجمهورية الوليدة، ذات المخاض العسير، تؤكد ذلك بتنوعها واحتوائها للجميع، وانفتاحها على كافة الآراء، كعابرة لحدود التقزيم، وموحدة للجهود الرامية للتحرير واستعادة ما تبقى من البلاد.

هناك العديد من المواقف الجسورة لمأرب وأبنائها، أعلاها صد زحف مليشيا الانقلاب، ومقارعتها طوال السنوات الخمس الماضية، ولا يوجد موقف أدنى لها، كلها عالية وذات تأثير مختلف على مسار الجمهورية الوليد، وما كان لمأرب أن تلعب دورًا إلا هذا، وهي على عتبة سبأ، تواصل مشوار الأجداد، باعتزاز الانتماء، وحنكة الفعل ذي الوقع المختلف، في محيطها المحرر، وجوارها المقارع لمليشيا الاستبداد.
سلامٌ على مأرب كلها، أرضًا وإنسانًا ووجدانا...

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر