اليمني بين الاختلاف والخلاف


نور ناجي

"على مدى تاريخنا كنا يمنا أعلى ويمنا أسفل، لم نتفق ابدا!"
 
 التقطت العبارة دون محاولة استنكارها أو رفضها. نعم لقد كان على حق؟!، قد نحمل من الاختلافات ما قد تكون للبعض أسبابا مقنعة للخلاف، ولو أننا عدنا للخلف لوجدنا ذات الاختلافات وربما وجدنا ما هو أشد منها..
 
لم تكن أرض اليمن سعيدة بالمطلق، من الطبيعي ألا يستمر ذلك اللقب على منطقة يعتبرها الباحثون أقدم مناطق العالم المأهولة بالسكان، لكن منذ متى تجنب الإنسان المشاكل، أو توقف عن صناعتها؟!..
 
شهدت اليمن قيام الممالك والدويلات منذ أواخر الألفية الثانية قبل الميلاد، إلا أن وعورة أرضها وعدم وجود أنهار  بجريان ثابت؛ لم تربط القبائل الساكنة بالقدر الكافي من هاجس المصير المشترك، حتى ظهرت "سباء" النموذج الأول لمعنى الدولة الحقيقي بالسدود التي أنشأتها والتجارة ذات الدخل الاقتصادي الآمن، لتتمكن بعد وقت قصير من التهام ما حولها من تجمعات بشرية ودويلات وتطويعها تحت كيانها القوي..
 
وكما قامت سباء توالت الدول على هذه الأرض في سياق طبيعي لعملية سير التاريخ، وتبادلت كل من حمير، وحضرموت، وقتبان وغيرها من الدول، عملية توسيع الخرائط أو تقليصها وفقا لمعايير القوة والضعف التقليدية، منتجة بذلك اختلافات فرضتها جغرافية الأرض قبل اختلاف الإنسان، سواء عبر لهجة أو عادات وتقاليد..
 
ليس ذلك وحسب، فقد منح السدود التي بناها اليمني، ولفترة لا بأس بها. الكثير من القوة والسيطرة قبل أن تختلف اراء زائري أرضها والموفدين إليها بعد فترة من تهدمه. على سبيل المثال؛ لم تكن اليمن التي وصفها الصحابي معاذ بن جبل تحمل ذات الصورة التي التقطها رفيقه علي بن ابي طالب..
 
 فكل منهما وجد يمنا تختلف في الوصف عن الأخرى. لكن ذلك لم يعن اختلاف حاجة اليمني في تلك الفترة الزمنية الى ضرورة التخلص من حكم الفرس المستبد، سواء كان يقطن في اليمن الاسفل أم اليمن الأعلى..
 
انضمت قبائل اليمن الى خارطة الدولة الإسلامية قبل أن تشعر بضيق الرداء الذي أجبرت عليه، بعد ان ارتبطت وللمرة الأولى بدولة بعيدة جغرافياً عما اعتادت عليه.
 
وازدادت وطأة ذلك الرداء مع عجز تلك الدولة الالتزام بمسؤوليتها كخلافة تجاه اليمني وأرضه، وانحسار مطالبها بتزويد جيوشها بأبناء القبائل، وخراج مفروض مع نهاية كل عام، لترتبط القبائل مجددا وتنبذ خلافها، باحثة عن خلاص، فلم يكن من السهل عليها دفع زكاة رأى الكثير أن إخراجها من ارض شحيحة الموارد جورا يجب أن يزال.
 
ربما كان ارتباط اليمني الروحي بالدين هو ما أجل- ولوقت لا بأس به- ثورات وحركات التمرد التي قامت متفرقة أو مجتمعة بذات الهدف ضد جور الحكام الذين استمروا في تجاهل اليمني واعتبار ارضه مجرد تجمع لقبائل، يجمعها الشغب والتمرد، عن كونها دولة ذات تاريخ عريق بمطالب مشتركة عادلة..
 
وكما احتار الحكام الذين أرسلوا للسيطرة على اليمن، احتار المستعمر كثيرا في محاولة فهم هذه الأرض وطبيعة أهلها..
 
فما أن يطمئن لخلافهم الدائم ويستعد لترسيخ احتلاله وسيطرته على طرق الملاحة البحرية، حتى تنتفض تلك القبائل بتنوعها ضد وجوده..
 
لا تنطفىء ثورة في منطقة، أو قبيلة، حتى تشتعل ضده في أخرى، ليقرر إثر ذلك اجتزاء بعض مما يحتاجه من أرض تمكنه من تحقيق مصالحه بأقل  قدر من التكاليف. وقد حرص على تجنب المساحات المزعجة له..
 
ربما كان الاحتلال العثماني هو القوة الوحيد التي اقتربت فعلياً من تقسيم اليمن إداريا، ووفق معايير القبائل السائدة، والذي سيجده الباحث الأقرب من تقسيم محافظات اليمن حتى اليوم. لكنه أدرك مبكرا أن الخرائط ليست المعيار الحقيقي الذي تتعامل بها القبائل اليمنية بينها البين أو بينها وبين المحتل. فبرغم اختلافهم، فهناك دائما ما يجمعهم.
 
واستمرت الثورات ضد المستعمر التركي بحسب حاجة القبائل مجتمعة أو متفرقة، حتى تم طرده..
 
لذلك لن تجد، بعد اجتياز رحلة قصيرة في تاريخ هذه الأرض، أن فكرة اختلاف اهلها مثيرة للغضب أو الاستنكار. فما نراه حولنا من اختلافات سياسية ليس سوى استنساخ لما سبق عبر التاريخ، مع إضافة الحسابات التي طرأت نتيجة تغير الزمن والواقع..
 
متى يشعر اليمني بحاجته لوحدة أراضيه ولماذا؟!..
قد نتسائل عبر الملحمة التي خاضها، والتي يحاول البعض في وقتنا الحالي اجتزاء بعض منها وترسيخها كتاريخ مكتمل، متجاهلا أن ذلك الاجتزاء سيؤدي بالضرورة إلى ضعف لن يطول بإبن هذه الأرض حتى يرفضه!..
 
حاجتنا للقوة هي الرابط الذي يجمعنا. مصيرنا المشترك الذي لا نلبث أن نتشبث به حتى آخر رمق. أليست الحاجة إلى القوة سببا كافيا لكوننا شعبا لا سبيل لتقسيمه، رغم اختلافاته العديدة؟!

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر