بين المعقول والمبرر!


نور ناجي

لعبت الجغرافيا والتاريخ دوراً بارزاً في التفاعلات الإقليمية، حتى أصبحت التداخلات بين الدول جزء لا يتجزأ من سياساتها والعلاقات التي تربطها، لا نحتاج للذهاب بعيداً، فقد شهد القرن الافريقي ومازال روابط مباشرة وغير مباشرة أفضت سلبية بعضها إلى حروب استنزافية، كما قادت إيجابيات بعضها الآخر إلى سلسلة تفاهمات كان لا بدّ وأن تتم للاستقرار المنطقة.
 
لم يقتصر تدخل المملكة العربية السعودية على حدها الجنوبي بل امتد للدول المجاورة، سواء كانت خليجية أو قبائل محاذية لحدودها في العراق والأردن، ربما لم تكن تدخلات المملكة العربية السعودية في الشأن اليمني مقبولة بقدر ما كانت مبررة، نقول لأنفسنا ونحن نتغاضى عن المسافة الفاصلة بين قبول الفعل وتبريره، فقد كان الجوار والمصالح المشتركة والروابط القبلية والثقافية التي تجمع البلدين من الأسباب التي ساعدت في نفي خطيئة تلقي الدعم من الجارة.
 
تقبل اليمني ذلك التدخل، ربما لعدم انشغاله بالسياسة، وربما لثقة في أن دور الجارة حتى وإن لم يكن إيجابي، لن تقود سلبيته لضرر مباشر!.

تضطرك الظروف لتحمل جار فضولي أو متسلط إلا أنك ستنام قرير العين جواره، لاستحالة زراعته للألغام على أرض فناءك أو القاء قنابل وصواريخ لن يسلم من اذاها.
لهذا أصيب اليمني بالذعر نتيجة تدخل الإمارات في اليمن، أين المنطق في فرض قوى معينة دون غيرها لا تملك تفويض أو حق في تقرير مصير شعب ووطن، طموح مجنون غطت به الإمارات نهمها لحرب وفوضى طويلة المدى تسهل حصولها على مطامعها من اليمن دون أن تهتم للإرث الذي قد تخلفه تلك الصراعات، فمازالت الجغرافيا حليفة قوية لها.
 
لم تحرك المملكة ساكناً لتلك الفوضى، بل اتخذت موقف حيادي على الرغم من أن المتعمق في التصرفات الإماراتية سيجد أنها حتى قبل الأحداث الأخيرة كانت تقصد وبشكل مباشر إصابة السعودية واظهارها بمظهر الضعيف، سواء من خلال الميليشيا التي أقامتها لتوازي الجيش الوطني المدعوم من المملكة أو الأذى المباشر  لأفراد لم يخفوا انتمائهم إليها؟!
 
هل يعقل بأن الجار قبل بأذى جاره مع علمه المسبق أنه لن يسلم منه لاحقا، أم أن السعودية كانت من أعطت إشارة البدء للإمارات وكانت ذراعها الخفي؟!.
 
لم لا؟!، ليس الانقلاب الأول، كما يبدو ولن يكون الأخير لمحاولة تشطير اليمن، فقد دعمت المملكة انفصال اليمن بشكل مباشر وصريح في حرب 1994م، ومن قبلها كانت الداعم الرئيسي لعودة الملكية التي رفضناها؟!.
 
قد يختلف الدعم الذي تلقاه الملكيين في ستينيات القرن الماضي، عن دعم انفصال 94م، فقد شكلت الجمهورية في بدايتها قلق حقيقي قد يمس وجود أي ملكية مجاورة لها، لكن أكثر من خمسين عام كاف تماما لتقبل وجودها ولإزالة مثل ذلك المبرر السمج، هل يعقل أن يستمر مثل هذا الهاجس حتى اليوم، أي مجنون قد يفكر بهكذا طريقة؟! .
 
أما عن 49م فقد كان دعمها من قبل المملكة أشبه بممارسة عقاب جماعي للشعب اليمني نتيجة سياسة دولته الصادم أمام غزو دولة الكويت، والتي لا ننكر مدى فداحته ووقعه على الكويت حينها، ربما لم تكن المنح العينية المهداة من الشعب الكويتي مناسبة للسياسي اليمني في ذلك الوقت ففضل عنها اوراق البنكنوت، أو بقايا صواريخ سكود!، لا بأس اذن من معاقبة شعب بأكمله خاصة وأن الحزب الاشتراكي ـ والذي كانت الإمارات بالمناسبة هي من تدعمه في مناوشات قديمة مع المملكةـ لم يعد يمثل تهديدا مباشرا لها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
 
بإمكاننا إذن إزالة المبررات القديمة والبحث عن سبب منطقي للمشاركة في محاولة تشطير  جديدة ستؤذيها لا محالة؟!.
 
ربما علينا الرجوع للخلف مرة أخرى، لبضع سنوات فقط، بحثا عن بعض من أجوبة بات الجميع يفتقدها!!.
 
لم تعد الإمارات تخفي هدفها الذي استعدت وهيأت له نفسها مبكراً، " المشروع العربي القومي"، الذي قررت ترأسه وقيادته وفق اجندات تناسب سياستها التوسعية، وقد كانت المملكة بإرثها التقليدي المسيطر على المنطقة العقبة الرئيسية التي لا تستطيع تجاوزها دون أخذ موافقتها أو اذنها على الأقل، لم يكن ذلك يرضي طموح الإمارات الصاعد لكنه الخيار الوحيد الذي كان متاح لها قبل أن تمنحها الظروف ثغرة لم تكن لتتمنى أفضل منها.
 
لم يخفي قادة الامارات سعيهم الحثيث لتنصيب محمد بن سلمان ولياً للعهد، التنصيب الذي لم يكن سهلا كما بدى على شاشات التلفزيون بل أضطر معها الأمير الصغير بإيعاز ومساندة من أصدقاءه إلى هز الأعمدة الرئيسية الحاكمة للمملكة: " الأسرة الحاكمة والاعتقالات المهينة لها، وما تلاها من قمع لرجال الدين الذين حتى وإن اختلفنا مع فكرهم إلا أنهم كانوا الاذرع الحديدية الداعمة لحكم آل سعود على مدى عشرات السنين".
 
قد يكون الانتقال السريع والمفاجئ للمملكة تفسير مناسب لضعف وتراخي بدى عليها بوضوح حتى أن الجميع سعى لاقتطاع أجزاء غير بسيطة من موقعها القيادي، كما كان مبرراً لتصرفات رعناء لم تسلم أسماء كبيرة من اتهامات التورط بها، إلا أنها أظهرت المملكة كخيل متهور يحاول الانضمام متأخرا لسبق محموم، دون أن يراعي ما يحاك للإطاحة به .
 
لم تكن المملكة في يوم ما صديقة لاحد، إلا أنها لم تكن عدو صريح لليمن، ولم يتقبل اليمني لها أن تسلك ذلك الدور حتى مع اللامنطق الذي تسير به احداث اليوم،  ومازال يبحث عن مبررات واعذار تجاه ردود أفعالها الباردة لما يحدث.
 
هل مازالت مصلحة المملكة مع دولة يمنية موحدة بأقل قدر من الفوضى؟!، أم أنها أصبحت تنظر الى قطعة الأرض المجاورة كعبء يجب التخلص منه دون النظر إلى النتائج الكارثية التي ستؤول إليها؟!

من السذاجة أن تعتقد المملكة أن مخطط التقسيم الذي قد توافق عليه، ليس سوى الخطوة الأولى لتمزيقها، وكأنها بموافقتها عليه تعطي اشارة البدء " لتنفيذ مشروع تدمير ذاتي"، تنتظره غريمتها " إيران" بفارغ الصبر!.

مهما اختلفنا مع المملكة في نظرتنا ورؤيتنا للأمور لن تجد يمني يتمنى الأذى الفعلي للجار الذي ستصيبنا نتيجته بالضرر لا محالة، بقاء المملكة بذات القوة وبنظرة متزنة من عقلائها ستمنحنا بعض من تماسك بتكلفة لن تكون تجزئة اليمن وانهياره ثمنا له، حتى نتوصل إلى سلام منصف وشكل دولة نرضاها، نقول ذلك في محاولة طمأنة أنفسنا الا اننا في حقيقة الأمر لم يعد لدينا ما نخسره.
 
الدولة التي كنا نسعى للحفاظ عليها سنتمكن بأقل قدر من المساحة التي ستبقيها لنا الحرب من إعادة تكوينها، وسنحرص بعد التجارب والدروس التي تلقيناها بأقصى قدر من الألم على أحيائها وأبعادها عن مسارات ومصالح دول أخرى مهما كانت مبرراتها، في حين سيكون  هاجس بقاء الدولة هو أكبر مخاوف غيرنا، وفي ذلك عدالة إلهية لا نتمناها وإن استحقها أصحابها.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر