"فِذّاحة" حجور


نور ناجي

 اضطر أمام إصرار الرنين أن يخرج الهاتف من اسمال الجسد الميت، ليجيب المتسائل على الطرف الآخر ببساطة: "ابنكم فذّحت به حجور"..!!
 
تقف بنا الحروب بين الحين والآخر على مفترقات طرق. وقد تكون "حجور" المنعطف الذي سيغير مسار الحرب، ويقلب موازين قواها بشكل درامي غير متوقع. فالقوة والصلابة، التي تواجه بها حجور حصار الموت والأسلحة المنهوبة من الدولة، ينبىء باحتمالية كبيرة لثورة قادمة من المناطق التي اتهمت على الدوام أنها حاضنة لجماعة الحوثي والمفرخ الأول لمقاتليها.
 
ما الذي اكتسبناه فعلاً بعد أربع سنوات من الحرب؟!
 
- ثقة تامة بأن القضاء النهائي على فكرة السلالة الكهنوتية وانتهاء الحرب مرهون بنبذ الخلافات القديمة بين اليمنيين وتكاتفهم أمام عدوهم الأوحد.
 
- ترك رهان الشرعية وخيار انتظارها، جانبا. فأمامها من الجهد والوقت الكثير لتثبت أنها في موضع نصرة شعب أصر رغم تذوق المرارة على مساندتها أملا في اخراجه من مستنقع الحرب القذر.
 
- النقطة الأهم مما سبق: إدراك الجميع أن تحليق طائرات التحالف لا يعني بالضرورة النجدة والإنقاذ، بقدر ما يكون نذير شؤم يهدد الجندي والمقاتل بنيران صديقة، تقع على رأسه نتيجة "خطأ" لن تعرف أسبابه حتى الانتهاء من تحقيق، لن يتم فتحه!!
 
لم تكن المعركة الدائرة في حجور جديدة عليها. فقد تعاقبت معاركها مع الإمامة مبكراً، ولم يثنها حبس رجالها ونهب بيوتهم وهدمها. استمر ذلك الصراع حتى عاد الوجه الجديد للإمامة في الحروب الستة التي قامت ضد الدولة اليمنية وجيشها، واستمرت بعدها حجور في مواجهة الميليشيا منفردة دون أن تنكسر بعد تسليم معسكرات الدولة عام ????م، ليبقى ذلك الصمود صفعة مؤلمة وهاجس يؤرق الميليشيا حتى اليوم.
 
لماذا حجور، وقبيلتها ؟! ما السر الذي حملته ولم تحمله غيرها من المناطق المحاذية لمسقط قوة الميليشيا ومناطق نفوذه؟!
 
 لا أعلم إن كانت جغرافيتها صعبة لدرجة استحالة سقوطها، أم أن شدة في أهلها جعلتهم الأقوى؟!
 
أضاف تاريخ المعاناة الطويل لقبيلة حجور ضد الإمامة، خبرة لا يستهان بها. فهي تعلم قبل غيرها الخدع التي قد يسوق لها الحوثي وما ستفضي اليه معاهدات سلامه الزائف. إلا أن تلك الخبرة ليست السبب الوحيد لتماسكها.
 
قد يرجع تماسك قبيلة حجور لارتباطها "بشخصية القبيلة الاعتبارية"، مقارنة بالقبائل التي أصابها الكثير من التشظي.
 
برغم ما يحمل البعض على القبيلة من مآخذ، إلا أن الخضوع لقوانينها الصارمة والمستمدة من الأعراف والتقاليد، والثقة المطلقة بمحاكمها القبلية، كانت النظام الذي وجد فيه الفرد اليمني عدالة ملائمة له؛ تقبلها وتماهت شخصيته بها، وإن جارت عليه بعض الحين.
 
صُبت قوانين القبيلة عبر مئات السنين للحفاظ على مقومات الشرف لديها، والتي ارتكزت حول "العرض والدم والمال". فلن تسمح القبيلة المتماسكة بتفرق أفرادها عبر اختلاف انتماءاتهم السياسية بتهديد ثوابت وجودها وكينونتها، والسماح لذلك الاختلاف لأن يكون ثغرة وعون لدخيل يسقطها رهينة تحت قدميه.
 
أدى تمسك حجور بالقبيلة الى عدم انخراط عقدها، بعد وقوع الدولة بين براثن الانقلاب أمام عينيها. جمعت نفسها وأعادت نظام القبيلة الذي لم تكن لتسمح باندثاره لتجعله بديلاً عن كيان الدولة حتى عودتها. ووقفت منفردة في مواجهة الميليشيا دون أن تسمع لها نداء محموم، كالذي يجتاح وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي المطالب بتدخل طيران التحالف للمساعدة والانقاذ.
 
لن يركن "الحجوري"، في خضم معاركه، إلى جانب لا يأمن شر حساباته، للمساندة والدعم أو لتحمل نتائج اخطائه. ستجده هناك بعيداً عن كل هذه الأضواء، خلف مترسه، وعلى كتفه بندقيته التي علق عليها إيمانه وشرف قبيلته الذي لا ينفصل عن شرفه؛ بحواس متأهبة صامتة، ينتظر فرصة دحر عدوه وقنص "تفذّيحة" يومه منه.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر