بائعة ريحان


نور ناجي

مازلت أتردد بين الحين والآخر على ذلك المقهى المنزوي، أحاول الإدعاء وأنا أطلب فنجان القهوة بأن الحرب لم تكن أبداً، ومازلنا بخير..
نحن بخير، لم تهرم القلوب من ثقل الأخبار ولم تتشقق الأرض قبوراً وألغام جديدة..
ما نراه مجرد كابوس ثقيل الظل، أطبق علينا بثقله على سبيل الاستظراف وخفة الدم، وسيزاح ما أن نفتح أجفاننا..
 
لم أكد اقترب من لافتة المقهى المكسوة غباراً حتى لمحتها من بعيد، تسند ظهرها على الجدار مفترشة عباءتها، وقد مددت ساقيها المنهكين على الرصيف، كانت قد فردت أمامها قطعة قماشية قطنية واسعة رصت عليها باقات أزهار وأعواد من "ريحان وشذاب" منسقة بأناقة بسيطة، لم تكن بحاجة للإعلان عنها فقد تكفلت الرائحة العذبة بتلك المهمة..
 
قَصَر الشارع المسافة بيننا لأجد تغضن جلد جفناها ينبئ عن عمر كبير، أكبر من أن يسمح الشارع لنفسه بإفساح مساحة لافتراش بؤسها عليه، أين العدالة في هذا العالم حتى تفرض الأرصفة على مثل هذه المرأة، عوضاً عن تكريمها في مكان لائق؟!..
 
رفعت إلي أزهى باقاتها ليدغدغ عبيرها نقطة ضعفي قبل أن تتحدث بصوت أقرب للهمس: " هل بإمكانك شراء باقة يا أبنتي ،،، أرجوكِ"..
توقفت أمام لهجتها التي دلت على بائعة غير متمرسة لا تجيد تسويق منتجاتها..

لمحت بصعوبة عينيها التي جاهدت لإخفائهما وقد بدا واضحاً أنها لم تكن قادرة على مواجهة العالم بعمل زاولته متأخرة، فاختبأت عنه بلثامها وبباقتها الملونة، هل ظنت أن تلك القطعة القماشية قادرة على ذلك؟!، أم أن باقاتها الزاهية خدعتها وأعطتها أمان زائف؟!..
 
لم يكن صمتي رفضاً للعرض كما اعتقدت، فأعادت همسها الذي تحول لسكين حاد مزق طبلة أذني:" أرجوك خذي باقة، فابنتي وأبنائها لا يجدون ثمن طعام الغداء!"..
اختنق الجو، وذبلت شهيتي للريحان، لكني قبضت على الباقة وفررت من أمامها متعثرة الخطى، فمن الصعب إهانة السيدة بوضع مبلغ مالي دون مقابل ..
 
لم أعد أريد القهوة، عافت نفسي رائحتها بعد تحول الريحان الجائع  لأذرع وقبضات تحيط بي وتدير وجهي باتجاهها لأصحو من أوهامي، لم أكن أدرك أن بإمكان الحرب تقمص الريحان ورائحته، كيف أهرب منها ومما يختبئ فيَ؟!.
للحرب أعين لا تغفل شاردة وواردة، فقط الأبرياء الذين أخرجتهم من ديارهم كتلك السيدة ما تعمى عنهم، أي جبروت تملكين أيتها الحرب؟!..
 
كنت قد تخلصت من الريحان في طريق عودتي لأتجنب صوت السيدة الذي أصر على ملاحقتي بطلب شراء الريحان، وحتى أتمكن من ارتداء كابوسي الخاص مرة أخرى ..
لم أكن أنانية بقدر ما كنت جبانة لا تريد الاستيقاظ من كابوس حرب حصرتها على شاشات هاتف وتلفاز ونقاشات حائرة لن تجد يوماً موضع لاستقرارها!..
الحرب حقيقية أكثر مما نتصور، حقيقية لدرجة مروعة..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر