عن مفهوم اليمنيين للعمل


صلاح م. إسماعيل

في كثير من مشاهد الخلافات اليومية بين الناشطين والصحفيين كثيرا ما تنتقل تلك المهاترات بين المتباينين إلى مستويات أعلى تستهدف أرباب عملهم إما لأن أرباب عملهم يسمحون لهم بالعمل أو لأنهم طالما يعملون هنا أو هناك فهم بالضرورة لم يعودوا يمثلون ذواتهم بل صاحب العمل. وهذا فهم شديد البدائية للعمل باعتباره عبودية مطلقة لا يأخذ وقتك وطاقتك -فقط- بل إنسانيتك وحريتك. وكأنك لا تبيع جهدك لصاحب العمل بل حريتك.
 
البدائية التي تظهر على الناشطين والصحفيين في نظرتهم للعمل -حتى لو كان في القطاع الخاص- بأنه يعني سلب الإنسان حريته ورأيه وجعله مجرد تابع تعبر عن الثقافة التي انتشرت في عهد النظام السابق وسببها توظيف الوظيفة العامة للمصالح والأغراض السياسية.
 
 فلأن التوظيف كان يتم بالمحسوبية والوساطة والشللية وليس بالكفاءة والجدارة، جعل من موظفي الدولة في حالة شبه عبودية لمدرائهم صعودا إلى المدير الأكبر "الرئيس". وهذا حول الوظيفة العامة من حق إلى هبة وأي تمرد أو استقلالية تعني أن تفقد مصدر دخلك، خاصة مع تلهف اليمنيين للوظيفة العامة "شبر مع الدولة ولا ذراع مع القبيلي" حتى لو كانت هذه الوظيفة شحيحة المردود بالمقارنة مع فرص أثمن قد تجدها في القطاع الخاص.
 
الشعور الكامن لمن يتم توظيفهم في وظائف عامة عبر الوساطة والمحسوبية بعدم الكفاءة والجدارة يولد نوعا من الشعور بالعبودية لأصحاب الفضل عليهم، بتعبير ساخر. فهو موجود في موقعه أو مكانه ليس لأنه الأفضل أو لأنه مستحق بل لأن فلان قام بالتوسط له أو تزكيته أو لأنه ابن أو من أسرة أو قبيلة فلان. ثم بعد ذلك يقوم بتعميم حالته على كل من حوله حتى أولئك الذين يعملون في القطاع الخاص الأكثر تمسكا بمعايير الكفاءة والخبرة في التوظيف بطبيعة تكوينه بغرض الربح وتعظيم الفائدة. فصاحب العمل في القطاع الخاص ما يهمه الربحية والانتاجية في المقام الأول، ونادرا ما يتهم بمكاسب أخرى.
 
كثيرا ما تعرض العمل للنقد باعتبار إنه يسرق وقت الإنسان وجهده، وهما أثمن ما لديه ولا يمكن تعويضهما بأي مبلغ من المال. غير أنه بعد انتهاء العبودية لم يعد ينظر للعمل بأنه عبودية بالمعنى التاريخي للكلمة أي التملك وهي عكس الحرية؛ أن تملك الإنسان بطاقته وقراره ومصيره.
 
 في عام 1935 كتب الفيلسوف وعالم الرياضيات البريطاني برتراند راسل مذكرة عنوانها: في مدح الكسل، دون أن الحضارة الإنسانية كانت في الماضي تحتاج في تقدمها إلى كدح العبيد ورفاهية السادة، في حين أن التقدم العلمي والتكنولوجي في العصر الحديث جعل مثل هذا التقدم في غنى عن استعباد الإنسان لأخيه الإنسان، مطالبا أن يتم تقليل ساعات العمل القياسية من 8 ساعات إلى 4 ساعات يوميا، مبررا ذلك بأن الكادح في سبيل الرزق لو عمل مدة أربع ساعات يومياً لكان هناك ما يكفي كل إنسان ولما كانت هناك بطالة.. وأن ما يتم إنجازه في العالم أكثر مما ينبغي انجازه، وأن هذا سيعطي من يعملون وقتا واسعا لممارسة هواياتهم، حيث أن الإنسان يحتاج وقت فراغ من أجل الإبداع.
 
ربما لم يخطر على بال راسل المفهوم اليمني البدائي لعبودية العمل باعتباره كان يعيش في مجتمع صناعي رأسمالي يمجد الإنتاج وليس في دولة ريعية بمجتمع ينتظر منها كل شيء وبدورها لا تقدم شيء له سوى استغلال النظام للوظيفة العامة من أجل اطالة أمد البقاء.
 
 
*المقال خاص بـ "يمن شباب نت"

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر