دفن حرب نتنياهو


عبد الحليم قنديل

قد لا تبدو من نهاية وشيكة لحرب الإبادة الإسرائيلية الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة، لكن أحاديث النهايات ليست متوقفة فقط على ما يقال إنها ضغوط أمريكية، ولا على مفاوضات ووساطات التسويات الجارية في القاهرة أو الدوحة، بل مرتبطة بالضرورة وأساسا بمجرى العمليات الحربية، وبمقدرة المقاومين الفلسطينيين على دفن حرب بنيامين نتنياهو رئيس وزراء العدو، وإحباط أهدافها المعلنة عسيرة التحقق، ومضاعفة الضغوط على الداخل الإسرائيلي لوقف الحرب والعدوان.
 
بعد أيام تقترب الحرب من نهاية شهرها الثالث، ومن دون أن يحقق العدو الأمريكي ـ الإسرائيلي شيئا مما حلم به، كان العدو يتصور أنها فقط فسحة أيام أو أسابيع، وتتحقق أهدافه كلها في غمضة عين، وتزول حركة «حماس» وأخواتها، ويعود الأسرى الإسرائيليون والأمريكيون بالقوة المسلحة، وتنفتح الطريق لإنشاء إدارة موالية للعدو في غزة.
 
ولم يدخر العدو شيئا كان بوسعه، وصب قوة نيران هائلة بدمار نووي على رأس غزة الصغيرة في مساحتها، والمختنقة من جهاتها كافة، ومن دون أن ينجح إلا في جلب زلازل الدمار وتفجير شلالات الدماء وتقطيع الأشلاء البشرية، وعلى نحو أوسع وأعنف مما شهدته أي حرب معاصرة أو حديثة، فقد جاوز دمار غزة ما حدث للمدن الألمانية في نهايات الحرب العالمية الثانية، هذا إذا أخذنا معامل الزمن النسبي في الاعتبار، إضافة لدفع ثلثي سكان غزة إلى النزوح جنوبا، وتحويل أكثر من ثلثي المباني ـ خاصة في الشمال ـ إلى أنقاض، ومن دون أن يستثني القصف الهمجي مسجدا ولا كنيسة ولا مدرسة ولا مستشفى ولا مخبزا ولا محطة تحلية مياه.
 
فضلا عن استشهاد وجرح ما يزيد على ثمانين ألف فلسطيني إلى اليوم، غالبيتهم العظمى من الأطفال والنساء، مع إشاعة غوائل الأوبئة والجوع بين من بقوا على قيد الحياة، وإلى حد بالغ الكارثية غير المسبوقة، لخصه أنطونيو غوتيريتش سكرتير عام الأمم المتحدة في عبارة صادمة حزينة، لم تجد صداها، فقد قال غوتيريتش ببساطة مرعبة، إن أربعة من بين كل خمسة أشخاص هم الأكثر جوعا في الدنيا كلهم من أهل غزة، ومن دون أن تجد صرخة الأمم المتحدة انتباها دوليا كافيا، وكان التحرك الأخير اليتيم لمجلس الأمن في القرار الموسوم بزيادة الإغاثات الإنسانية للمنكوبين، وتعيين مبعوث أممي لتوسيع نطاق المساعدات، ومن دون إلغاء شرط التفتيش الإسرائيلي المعرقل لتدفق وعبور الشاحنات، وهو ما دفع غوتيريتش نفسه إلى إعلان الاحتجاج، وقال ما معناه، إنه لا يمكن نجدة أهل غزة من دون وقف فوري ودائم لإطلاق النار.
 
 
وهو ما لا تؤيده واشنطن إلى اليوم، وتقف وحدها معزولة عن الحس النامي للمجتمع الدولي، كما بدا في اتجاهات التصويت الغالبة في الجمعية العامة ومجلس الأمن الدولي، التي بدت فيها واشنطن في وضع منبوذ متعجرف، لا تهمها سوى مصلحة إسرائيل، فلهذه الـ»إسرائيل» حكومتان، واحدة في فلسطين المحتلة والأخرى في واشنطن، والحكومة الأخيرة تدرك أكثر عمق المأزق الراهن، وما جرى من تدمير شامل لسمعتها الدولية، وتجريف كامل لمصداقيتها المكذوبة، سواء في الميدان الحربي، الذي قدمت إليه كل ما تملك.
 
وحشدت لأجله أكبر حاملات طائراتها ومدمراتها النووية في المنطقة، وسيّرت قوافل وجسور إمداد جوي وبحري بأحدث الأسلحة وأضخم القنابل الفتاكة الذكية والغبية إلى إسرائيل، وشاركت فعليا في التخطيط لمعارك إسرائيل في غزة، إضافة لطائرات «الأواكس» والمسيرات المتطورة لمراقبة غزة كلها، وإرسال قوات «دلتا» الخاصة ومشاة البحرية على حواف جغرافيا القتال، ومن دون أن يؤدي الحشد الأمريكي الرهيب إلى نجدة مؤثرة لجيش الاحتلال، الذي تفاقمت خسائره في الضباط والجنود، وصارت بالمئات تلو المئات في حدود ما يعلن عنه الجيش نفسه.
 
إضافة إلى نزيف متصل في العسكريين الإسرائيليين المصابين بجروح وإعاقات خطيرة، وقد وصل عددهم إلى ما يفوق 11 ألفا باعتراف الإعلام الإسرائيلي نفسه، واضطرار العدو إلى سحب قوات من «لواء غولاني»، وهم نخبة النخبة من غزة، في هزيمة عسكرية مشينة، اعترف بها قادة العدو نفسه من كبار الساسة والجنرالات، ومن رؤساء الوزارات السابقين على طريقة إيهود أولمرت وإيهود باراك، ومن جنرالات سابقين شاركوا في قيادة حروب إسرائيل العدوانية السابقة، بينهم نائب رئيس الأركان الإسرائيلي السابق يائير جولان ودان حالوتس رئيس الأركان الأسبق، وقد قالوا مع غيرهم بوضوح، إن إسرائيل خسرت الحرب ضد «حماس» منذ هجوم السابع من أكتوبر المزلزل إلى تاريخه، وأن معدلات الخسائر اليومية لجيش الاحتلال غير مسبوقة منذ عقود، وإنه آن الأوان للاعتراف بالحقيقة، وهي أنه لدى إسرائيل اليوم جيش ضعيف واستخبارات عظيمة الفشل.
 
بل حذّر الجنرال حالوتس من حرب أهلية في إسرائيل بسبب ميليشيات بن غفير وزير الأمن القومي الإسرائيلي، الأكثر تطرفا وسوقية في الحكومة القائمة، وقال إن الانتصار الوحيد الممكن لإسرائيل يكمن في إزاحة نتنياهو، الذي يستمسك باستمرار الحرب لحسابات شخصية، ولمعرفته الأكيدة أن يوم توقف الحرب هو يوم نهاية سيرته السياسية الطويلة، وانتقاله إلى مزابل التاريخ، إما بالذهاب إلى السجن في قضايا فساد وتحايل، يبدأ نظرها قضائيا في فبراير المقبل، أو في تحميله مسؤولية إذلال إسرائيل في هجمة السابع من أكتوبر، التي كانت حوادثها الطوفانية أشبه ببروفة مبكرة لنهاية الكيان الإسرائيلي، ومن دون أن تتوقف كوارث «إسرائيل» عندها، بل زادت بعدها معدلات الهروب من الكيان بالهجرة العكسية، أو في انكماش إسرائيل بنزوح مئات آلاف المستوطنين من الشمال والجنوب، إلى مدن الداخل المحتل، وسحق أسطورة جيش الاحتلال القوى الذي لا يقهر، ومرمطة جنوده وضباط نخبته على يد «كتائب القسام» وأخواتها في معارك غزة، الأكثر ضراوة وفتكا بمعنويات جيش الاحتلال وجمهوره المفزوع.
 
والمحصلة في ما جرى ويجري، أننا بصدد طرفين على جبهات النار، طرف فلسطيني ينزف وينزح وتدمر موارد حياته، وبأفظع مما حدث قبلا في احتلال الخمسة والسبعين سنة، ومجازره التي لا تحصى، لكنه يبدي احتمالا وصبرا على المكاره والآلام المريعة والمحارق المروعة، وصمودا أسطوريا فوق ركام المحن وأشلاء الاطفال والرضع والنساء والشيوح والعائلات المجتثة من الأجداد للأحفاد، ويلتف حول كتائب المقاومة، التي تبهر العالم بالتفوق الكاسح لعقيدة قتالها، وبالإبداع المذهل في فنون القتال.
 
في مواجهة جيش الاحتلال المذعور المختبئ وراء أستار التكنولوجيا، ويستقوى بقصف الطائرات والبوارج والمدافع من بعيد، لكنه يبدو خائرا في جولات قتال الرجال وجها لوجه، ويبدو جنرالاته ضائعون في متاهة حرب غزة، غارقون في وحلها، يعلنون عن مراحل ثانية وثالثة ورابعة في الحرب، وهم لم يكملوا بعد المرحلة الأولى من الغزو البري في شمال القطاع، ويلجؤون إلى ما يسمونه إعادة تموضع، وانسحابات من أحياء ومناطق ومخيمات دخلوها أول أيام التوغل البري، ويتحدثون عن هدف إقامة منطقة عازلة بطول حدود شمال وشرق وربما جنوب غزة، قد تكون هدفا مثاليا لنشاط حركات المقاومة بعد توقف الحرب، التي يصر نتنياهو وجنرالاته على استدامتها لمدى غير معلوم.
 
بينما يواجه غضب وتذمر قطاعات متزايدة داخل التجمع الإسرائيلي، أظهرها مظاهرات أهالي الأسرى المحتجزين لدى «حماس» وأخواتها، وقد بان فشل نتنياهو المتكرر المزمن في إطلاق سراحهم، بما يسميه ضغطا عسكريا، بل قتل جيشه المذعور كثيرا منهم، وهو ما يزيد من سخط ومخاوف أهالي الأسرى، وبالذات مع إحباط مساعي إسرائيل في الإفراج عن بعضهم مقابل هدن موقوتة، فيما تتمسك «حماس» بصفقة شاملة، لن تتم بغير وقف الحرب والعدوان الإسرائيلي، والانسحاب الكامل من غزة، والإفراج الكامل عن الأسرى الفلسطينيين كافة المحتجزين في سجون العدو.
 
إضافة لخطط إعادة إعمار كل ما تدمر، والموقف «الحماسي» معروف للمتابعين، وقد سمعته شخصيا من السيد إسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس»، عبر اتصال هاتفي، بادر إليه متكرما، حين كان في زيارة قريبة إلى القاهرة، وبما يعني أن شروط «حماس» ليست إعلامية فحسب، بل هي جوهر موقفها التفاوضي عبر الوسطاء العرب والأمريكيين، وعن إدراك ظاهر لحرج الموقف الأمريكي، الذي صدم بفشل خطة الحرب المتفق عليها مع نتنياهو، ويتطلع لإنقاذ إسرائيل من حماقات وتهور وعشوائية حكومتها، بينما يبدو موقف المقاومة مبنيا على قاعدة صلبة، حجر الأساس فيها هو القتال بلا هوادة، وإيقاع أكبر خسائر بشرية عسكرية بالعدو، و»خض ورج» تفاعلات التجمع الإسرائيلي المحبط، وإلى يوم غير بعيد، تدفن فيه حرب نتنياهو البربرية الإجرامية.
 
*نقلاً عن القدس العربي

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر