عن صراع التمثيل في جنوب اليمن


بشرى المقطري

يتخذ جنوب اليمن أهمية مركزية في معادلة الصراع الحالي استراتيجيا وسياسيا واقتصاديا. وإذا كانت الهدنة العسكرية غير المعلنة قد حوّلت الحرب بين الفرقاء إلى حربٍ اقتصادية، بحيث أصبحت الموانئ المصدّرة للنفط في جنوب اليمن هدفاً لهجمات جماعة الحوثي، فإن تعدّد القوى المحلية في جنوب اليمن وتنافسها، بما في ذلك تعارض مشاريعها السياسية وأجنداتها، جعل من الجنوب مسرحا للفوضى، ففي حين أنتجت مسارات الحرب قوى تشطيرية شمالا وجنوبا تعزّز مكاسبها على حساب تفتيت اليمن، فإن فشل المجلس الرئاسي  في إيجاد الحد الأدنى من سلطة مستقرّة تمارس صلاحياتها في إدارة المناطق الجنوبية ضاعف من حالة التشظّي السياسي، مقابل هيمنة قوى سياسية انفصالية، فضلاً عن تنامي حدّة التنافس بين القوى الجنوبية للسيطرة على المجال السياسي، سواءً المتعارضة في أهدافها أو المتماثلة، وهو ما يجعل من جنوب اليمن بؤرة للصراع الذي يصبّ، في الأخير، لصالح التنظيمات الراديكالية المتشدّدة.
 
يتمايز الفاعلون المحليون في جنوب اليمن، من حيث ثقلهم السياسي والاجتماعي والعسكري، إلى جانب عوامل إسنادهم الشعبية التي تدفع، لاعتبارات كثيرة، إلى تنمية حظوظهم السياسية، إضافة إلى ثقلهم التاريخي كقوى خاضت معارك للدفاع عن القضية الجنوبية، فضلاً عن حجم الدعم والإسناد الذي تتحصّل عليه من حلفائها الإقليميين، بحيث يتكرّس، وفق ذلك، توزيعهم في الخريطة السياسية، كما يحدّد علاقة الأطراف الجنوبية ببعضهم بعضا ومستقبل تقارباتها، ففي سياق القوى المتعدّدة التأثير اجتماعياً وسياسياً، تلعب القوى القبلية في جنوب اليمن دوراً محورياً في التأثير على معادلة الصراع الجنوبي -الجنوبي، والذي حوّلها في منعطفات شهدتها الحرب إلى قوة إسناد شعبي ومجتمعي عضدت طرفا سياسيا على حساب آخر، وجنت مكاسبها من خلال تموضعاتها. ومع تباين ثقل القوى القبلية سياسيا واجتماعياً، بما في ذلك تباين مشاريعها وأجنداتها، باتت بفعل تصدّع الكيان الوطني للدولة المركزية، وبروز قوى ما قبل الدولة شمالا وجنوباً مكرّسة سياسياً، سواء بشكل مستقل في مناطقها القبلية أو داخل أطر الكيانات الجنوبية العامة، بحيث توظّف، بحسب جغرافيتها وتأثيرها أيضاً، حاميا لمصالح الدول الإقليمية في هذه المناطق.
 
إضافة إلى القوى القبلية المتعدّدة، تنشط قوى مختلفة التأثير، ذات انتماءات سياسية متباينة، تشكّل إما رديفاً للأطراف الجنوبية الرئيسية أو معارضة لها، فضلاً عن كيانات جنوبية تحتفظ بتأثيرها السياسي بوصفها حاملا تاريخيا للقضية الجنوبية. وفي جنوب، تنشط فيه قوى متعدّدة، فإن الثابت هنا أن هذه الأطراف غير متجانسة سياسياً، إلى جانب السياسة الإقصائية التي تتبناها الأطراف الرئيسية، وتجعل من احتكار التمثيل هدفا لها، بحيث تزيح القوى المعارضة لتوجهاتها، إضافة إلى اكتفاء القوى الأقل فاعليةً إلى الاعتماد على نطاقها الاجتماعي، بما في ذلك العشائري، لانتزاع مكاسبها الآنية، مقابل تجاهل بناء أي تحالفات مع قوى مُزاحة مثلها. فضلا عن محدّد آخر يحكم علاقة الأطراف الجنوبية، وهو سيطرة صراعات الماضي على توجهاتها. وإذ كانت بعض الأطراف الجنوبية الرئيسية قد عملت على تقييد القوى المعارضة لها، فإنها لم تُحسِن علاقتها مع القوى التي تشاطرها أهدافها، وهو ما يجعل من الصعب بناء تحالفات سياسية جنوبية - جنوبية.
 
يتصدّر المجلس الانتقالي الجنوبي والسلفية الجنوبية المقاتلة ممثلة بقوات العمالقة قطبي المعادلة السياسية وأيضاً العسكرية في جنوب اليمن وذلك لامتلاكهما لقوة عسكرية، إلى جانب انضوائهما في المجلس الرئاسي الذي يعدّ سلطة انتقالية في إدارة اليمن، إلا أن تباين ثقلهما ومرجعياتهما يعكس اختلاف تأثيرهما على المشهد الجنوبي الحالي، وربما في المستقبل، ففي حين تمثل المجاميع السلفية المقاتلة القوة الباطشة عسكرياً، بحيث تتجاوز قوة "الانتقالي"، فإن الموازين السياسية تصبّ في صالحه، وذلك لامتلاكه كيانا سياسيا يؤطّر نشاطه، ومن ثم يعكس ثقله في السلطة الحالية، وعلى مستقبل الجنوب، سياسياً أيضاً.
 
والمجلس الانتقالي أكثر قدرة على استقطاب قاعدة سياسية متنوعة في جنوب اليمن، وإن لم تؤدّ إلى بناء تحالفات، في حين أن قوات العمالقة السلفية تعتمد على ثقلها العسكري على الأرض، للبقاء في سلطة المجلس الرئاسي، إلى جانب افتقارها إطارا سياسيا يعكس أهدافها المستقبلية، مقابل امتثالها عقائديا لولي الأمر، وفي هذه الحالة الإمارات والسعودية وممثلها على الأرض المجلس الرئاسي، ولذلك تخضع لمرجعيات هذه القوى، وإنْ شكّلت عامل توازن بين قوى المجلس، وتتحرّك بحسب إرادة الحلفاء الإقليميين، ومن ثم تعمل على الحفاظ على تماسك سلطة المجلس الرئاسي في الوقت الحالي، على عكس "الانتقالي"، الذي يحرص على تعطيله، بما يدفعه إلى التحول إلى سلطة فعلية تدير الجنوب، مقابل استخدامه غطاءً لفرض أتباعه، سواء في مؤسسات الدولة أو السلطات المحلية، بما في ذلك إزاحة خصومه، كما فعل مع حزب التجمع اليمني للإصلاح.
 
 
 
 
وإذا كان فشل المجلس الرئاسي في توحيد القوى العسكرية والأمنية تحت مظلة سياسية واحدة قد فرض توازنا عسكريا بين القوتين الرئيستين في جنوب اليمن، فإن تصدّر "الانتقالي" معركة مكافحة الإرهاب يمكّنه من تقييد خصومه ومنافسية من حزب التجمّع اليمني للإصلاح حالياً إلى القوة السلفية مستقبلاً، إلا أن "الانتقالي"، وإن جنى مكاسب انضوائه في المجلس الرئاسي مقارنة بالقوة السلفية، فإن استقرار حالة السيولة التي يكرّسها المجلس الرئاسي قد يمثل كابحاً لاستكمال أجندته الاستقلالية، كما أن اعتماده على مكافحة الإرهاب لإدارة معركته ضد خصومه قد تُلقي عليه تبعات عديدة من فشله في الحد من نشاط القوى الراديكالية إلى الاستهدافات المتكرّرة التي تطاول قواته في مدينتي أبين وشبوة. والأهم أن الأطراف الجنوبية عموما، بما في ذلك الانتقالي، تعيقها أدواتها السياسية الحالية وامتثالها لأيديولوجياتها في إدارة علاقتها مع القوى الأخرى.
 
بعيداً عن اختلال موازين القوى بين الكيانات الجنوبية، بما في ذلك فرصها في تعزيز مستقبلها السياسي، فإن التنافس على تمثيل القضية الجنوبية وتوجيهها بمقتضى أجنداتها يظلّ جوهر الخلاف البيني، والذي يحدّد أدواتها السياسية، بما في ذلك تعاطيها مع الأطراف الأخرى المعارضة والمنافسة لها في الساحة الجنوبية، بحيث حصرت الأطراف الجنوبية أدواتها السياسية في عكس تمثيل القضية الجنوبية في برامجها، والحصول في المقابل على استحقاقات بموجب ذلك.
 
تستوي في ذلك القوى التي تتبنّى مشروع اليمن الفيدرالي إلى الأطراف التي تبني النزعات الانفصالية الشطرية والنزعات الانفصالية المحلية، كحضرموت الكبرى، بيد أن المجلس الانتقالي الجنوبي، ولأسباب عديدة، يعتمد ليس على تمثيل القضية الجنوبية، وإنما حكرية تمثيلها السياسي، وحصرها في أهدافه الانفصالية، معتمداً، في المقام الأول، على تمثيل مطالب القضية الجنوبية عسكرياً في الحرب بخوض معارك ضد مقاتلي جماعة الحوثي، وإنْ صعد في الحقيقة على حساب المقاومة الجنوبية وتفكيكها، إضافة إلى إزاحة القوى السياسية التي تتبنّى مشروع الوحدة واليمن الفيدرالي، سواء من مؤسسات سلطة المجلس الرئاسي، أو تقييد نشاطها في الساحة الجنوبية.
 
وإذا كانت القوى الجنوبية الوحدوية المزاحة، لم تعمل على بناء تحالفات سياسية واضحة، فإن القوى التي تتشاطر الأهداف الانفصالية، ظلت، هي الأخرى، مقيدة بصراعاتها في احتكار تمثيل القضية الجنوبية والصراعات الماضوية، وهو ما يظهر في تعاطي المجلس الانتقالي مع القوى الجنوبية التي تتبنّى  طروحاته الانفصالية، إذ ظلّت تحكمها مخاوفه من تنازعها مشروعية تمثيل القضية الجنوبية، بحيث قد تستقطب شعبيته السياسية أو على الأقل تشتّتها، ومع أن المسارات السياسية جرفت الحراك الجنوبي ككيان جماهيري تاريخي وحامل للقضية الجنوبية، لصالح تصعيد المجلس الانتقالي إبان سنوات الحرب، بحيث قلص تأثيره في المعادلة الجنوبية، فإن المجلس الثوري لاستقلال الجنوب حافظ، إلى حد ما، على وجوده السياسي، وإنْ بشكل محدود وفي معقله التاريخي. ولذلك شكّل تحدّيا للمجلس الانتقالي، فإضافة إلى أن المجلس الثوري يستند إلى مرجعية تاريخية في تمثيل القضية الجنوبية، عكس "الانتقالي"، فإنه تبنّى سياسة مناوئة لأجندة الدول الإقليمية، وتحديدا الإمارات، ووكيلها المجلس الانتقالي، رغم أنه مدعوم من سلطنة عُمان، إلى جانب التنافس المناطقي، الثقل الحضرمي ممثلاً بالمجلس الثوري، مقابل "الانتقالي"، أي سلطة الضالع – يافع.
 
 ومع أن اختلال الموازين لصالح "الانتقالي" لامتلاكه قوة عسكرية، وأيضا ككيان سياسي مؤسّسي، مقابل اعتماد المجلس الثوري على الثقل السياسي لمؤسّسه حسن باعوم، مع غياب البعد المؤسّسي، بحيث ورث قيادة المجلس لابنه فادي باعوم، فإن المنافسة على تمثيل القضية الجنوبية دفعت "الانتقالي" إلى حصر نشاط المجلس الثوري في المدن الجنوبية، بما في ذلك منع مؤسّسه من دخول حضرموت، إلا أن "الانتقالي" سمح، أخيرا، بعودة زعيم المجلس الثوري، فادي باعوم، وممارسة نشاطه في جنوب اليمن.
 
لم تكن سياقات عودة رئيس المجلس الثوري، فادي باعوم، ترتبط بتخفيض التنافس مع قوى جنوبية تماثلها في مطالب الانفصال، وإن تباينت في غايتها بما في ذلك أهداف داعميها الإقليمين، وإنما بناء على توافق إماراتي - عُماني رافقه تغيّر موقف المجلس الثوري من الانتقالي، بما في ذلك تخفيض عدائه الإمارات. ومع أن الجيل الثاني من الزعامات الجنوبية أكثر تخففاً من صراعات الماضي، فإن مرحلة ترتيب المشهد السياسي في جنوب اليمن دفعت قوى جنوبية كثيرة، ومنها القوى ذات المشروع الوحدوي إلى الانحناء للريح كما يقال، بما في ذلك المجلس الثوري المطالب بالانفصال الذي ضمن مزاولة نشاطه السياسي، ومن ثم فإن حالة التصدّعات الجنوبية - الجنوبية سياسيا، وحتى مناطقيا، أعمق كما يبدو من قدرة الأطراف الفاعلة على تفكيكها، وبالتالي، تجاوزها لبناء تحالفات سياسية أو حتى تقاربات في هذه المرحلة، بحيث تظلّ سياسة الإزاحة والاحتواء مقابل تكيف الأضعف المعادلة التي تحكم علاقة القوى ببعضها في جنوب يمنٍ مضطربٍ ومتعدّد الأهواء.
 

*نقلاً عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر