المجلس الرئاسي ومأزق التوافق 


بشرى المقطري

تُختبر فاعلية السلطات التوافقية بمدى قدرتها على تطويع عوامل إعاقتها الذاتية، أو على الأقل تقليصها بما يؤدّي إلى تشكيل سلطة متوازنة، تقوم بمسؤولياتها حيال المواطنين. وإذا كان المجلس الرئاسي اليمني قد نشأ سلطةً توافقيةً بين وكلاء السعودية والإمارات في اليمن، وبموجب إرادة الحليفين، فإن إدارته الدولة كرّست تمايزات القوى المنضوية فيه على حساب واحدية العمل بوصفه سلطة؛ ففي مقابل قفز المجلس الرئاسي على أولويات توحيد مؤسسات الدولة وأجهزتها، بما في ذلك احتكار الموارد والثروات وإدارتها بما يخدم مصالح المواطنين، لجأ إلى مبدأ التوافقات السياسية في التمثيل، باعتبارها ضامنا لاستمرارية سلطةٍ، بيد أن هذه السياسة، وإن كانت نتاج ظروفٍ معينة، فإنها لا تؤسّس لسلطة موحدة ومستقرّة، كما لا تبني دولة. 

  

أخضعت القوى السياسية المنضوية في مجلس القيادة الرئاسي صيغة السلطة التوافقية لصالحها، بحيث استطاعت، في الأخير، تحويله إلى مظلةٍ لتقاسم النفوذ لا أكثر، ففي مقابل احتفاظها بكياناتها السياسية وأدوات استقلاليتها، بما في ذلك بقاء تشكيلاتها العسكرية على الأرض ورقة ضغط، فإنها حرصت على تكييف مبدأ التوافق، لتمكينها من سلطة المرحلة. وإذا كان التوافق هو الخيار الأمثل الذي تبنّته قوى المجلس الرئاسي لتطويع خلافاتها البينية، أو على الأقل تأطيرها من خلال ضمان تمثيلٍ متساوٍ في السلطات المحلية، وكذلك في الجهاز الحكومي، فإن التوافق، وإن أحدث نوعاً من الشراكة بين قوى سياسية متجانسة، وتمتلك مرجعية واحدة، لكنها لا تكون ضمانةً مثاليةً لتطويع القوى المتصارعة والمسلحة، إذ إن تناقض مرجعيات القوى المنضوية في المجلس، وكذلك اختلاف مشاريعها بما في ذلك فكرتها حول الدولة، يجعل منه أداةً لتمكين قوى على حساب أخرى، وكذلك الحد من نفوذها في جهاز الدولة. 

 

ومن ثم، يظلّ مبدأ التوافق مؤقتا، وإن عمل على تخفيض الصراع البيني، إلى جانب أن مبدأ التوافق يقتضي وجود سلطةٍ قوية، تحتكم إلى دولةٍ مركزيةٍ تدير المناطق الخاضعة لها، وكذلك مشروعية سياسية، وهو ما يتعارَض مع ظروف تشكّل المجلس الرئاسي، ومن ثم تعزّز هذه السياسة مكاسب القوى والجماعات المسلحة واستقلاليتها، وعامل تقويض لسلطة المجلس الرئاسي على المدى البعيد، كما أن التوافقات المبنية على حسابات الحلفاء الإقليميين قد تقوّضها تحالفات ثنائية، تتشكّل بين قوى المجلس في حال كان التمثيل لا يخدم مصالحها، إضافة إلى أن فرض كل قوى لممثلها في مناصب الدولة ينشئ، على المدى البعيد، قوى داخل الدولة، وأن تكريس المحاصصة قاعدة في إدارة السلطة بين الفرقاء تؤكّد فشلها، وأنها الطريق المؤدّي إلى الاحتراب، فضلاً عن أن إخضاع التقاسم في مفاصل الدولة لمعادلة الجنوب مقابل الشمال يقوّض وحدوية الدولة، ومن ثم يكرّس النزعة الانفصالية، ويمنحها تعضيداً، بما في ذلك تنمية ولاءات ضيقة يمكن استثمارها في المستقبل، بيد أن سلطة المجلس الرئاسي لم تستفد من تجارب الماضي القريب، إذ لم تستعر أدوات السلطة الشرعية التي أطاحتها لإعاقة أي إمكانية لإصلاح الدولة، وذلك بتأسيس كيان مهلهل، يقوم على تمايزات سياسية وجغرافية تكرّس نفوذ قوى المجلس على حساب استعادة الدولة اليمنية ووحدتها. 

  

لا تقتصر اختلالات مجلس القيادة الرئاسي على إدارته السلطة فقط، والتي يمكن تقصّيها في مجمل القرارات التي أصدرها طوال ثلاثة أشهر، والتي شملت تعييناتٍ في جهاز الدولة، بل في النموذج السياسي الذي يعمل على تأسيسه في النهاية. وفي هذا السياق، تشكّل قرارات تعيين محافظي جزيرة سقطرى ومدينة حضرموت مثالاً على فلسفة المجلس الرئاسي في إدارة السلطة، والذي أتى وفق تفاهمات في إطار قوى المجلس، وقبلها تفاهمات حلفائهما، أكثر من كونها نتاج تمثيل محليٍّ تحكمه معادلة وطنية، إذ إن توزيع سلطات المحافظات وفق حسابات سياسية ومناطقية لا يكرّس حالة الانقسام السياسي في اليمن فقط، بل يدفع إلى مآلات أكثر خطورة. 

 

وإذ كان عجز المجلس الرئاسي عن توحيد أجهزة الدولة ومؤسساتها قد فرض خضوع السلطات المحلية لدائرة نفوذ قوى المجلس التي تنشط في مناطقها، فإن شرعنة هذا النهج من خلال قرارات المجلس الرئاسي تمنح هذه القوى مشروعيةً سياسيةً في فرض سلطتها على المناطق، بما في ذلك انتزاع الموارد لصالحها. 

 

ويأتي تعيين القيادي في المجلس الانتقالي الجنوبي رأفت علي إبراهيم الثقلي محافظاً لجزيرة سقطرى في سياق سياسة التوافقات السياسية التي يحتكم لها المجلس الرئاسي، وإنْ كان على الضد من المصلحة الوطنية، فمن جهةٍ، يمثل انتقال سلطة جزيرة سقطرى من السلطة الشرعية سابقاً إلى المجلس الانتقالي مكسباً سياسياً كبيراً لـ"الانتقالي"، إذ تشكّل جزيرة سقطرى الضلع الرئيس في مخطّط استكمال سيطرته على المناطق الجنوبية، أولا لموقعها الاستراتيجي، بما في ذلك مواردها الطبيعية وتنوعها البيئي، ومن ثم فإن تعيين محافظٍ يمثل المجلس الانتقالي يعني احتكامه لسياسته في إدارة الجزيرة، التي قد تدفع إلى تعزيز النزعة الانفصالية. 

 

 وباحتفاظه بأجهزته العسكرية والأمنية في جزيرة سقطرى، فهذا يمكّنه من فرض واقع جديد في الجزيرة، بما في ذلك استغلال مواردها لصالحه، إلى جانب أن قرار تعيين محافظ سقطرى يحقق مطالب "الانتقالي"، وفي هذه الحالة استكمال تنفيذ اتفاق الرياض، والذي مكّنه سابقاً من السلطة في مدينتي عدن وشبوة في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ما يعني تمكين قوى تطالب باستقلال جنوب اليمن عن شماله من إقامة سلطاتها. 

 

من جهة أخرى، لا يعني تعيين قيادة تمثل المجلس الانتقالي في رأس السلطة المحلية في سقطرى فقط خضوع المجلس الرئاسي للإرادة الإماراتية، وذلك بتمكين حليفه أخيراً من السلطة، بل تسهيله لتنفيذ الأجندة الإماراتية، من تكريس وجودها تحت سلطة حليفها، بما في ذلك نهب ثروات سقطرى، ومحاولة تغيير التركيبة الديموغرافية في الجزيرة. ومن ثم، فإن تعيين محافظ يمثل وكيلها يشرعن الوجود الإماراتي ويمنحه أفضلية التمركز في الجزيرة، ما يعني في ظل غياب سلطة وطنية ودولة مركزية وتغلب الحلفاء إيجاد مخاطر على سيادة اليمن في سقطرى. 

  

لا تختلف كثيراً دوافع تغيير رأس السلطة السياسية في مدينة حضرموت عن جزيرة سقطرى، وإن اختلفت في مآلاتها، وأيضا في أجندات القوى السياسية التي جرى تمكينها، وارتباطاتها الإقليمية، وإن كان للقوى الاجتماعية والسياسية في مدينة حضرموت إرثها السياسي العريق، بحيث قد تعيق أي سياسات مناوئة لنخبتها، أو تضرّ بمصالح المواطنين، بعكس المعادلة الاجتماعية في جزيرة نائية كسقطرى، والتي ما زالت تحتكم لتقاليدها البسيطة، بحيث قد تحكمها أي قوةٍ متغلبةٍ تعتمد على السلاح، وتؤثر على محيطها المجتمعي. 

 

ويأتي تعيين القيادي في حزب المؤتمر الشعبي العام، مبخوت بن مبارك بن ماضي، محافظاً لمدينة حضرموت في سياق تعزيز مركز حزب المؤتمر الشعبي في الخريطة السياسية الحالية، وهو ما يمثل تحولا سياسيا لصالح المؤتمر الذي يبدو أن توجه المتدخلين الإقليميين يعمل على المدى البعيد على تمكينه، إلى جانب المجلس الانتقالي. 

   

ومع كل التحفظات على إدارة المحافظ السابق، اللواء الركن فرج سالمين البحسني نائب رئيس المجلس الرئاسي حالياً، مدينة حضرموت، واستخدامه الورقة الأمنية، وتنفيذ جملة من الانتهاكات طاولت نشطاء وصحافيين وصحافيات، فإن إعفاءه من منصبه محافظا، وإن احتفظ برتبته قائدا للمنطقة العسكرية الثانية، لم يكن نتيجة توافقاتٍ في النطاق الحضرمي المحلي، كما أن اختيار البديل من الدائرة المؤتمرية في حضرموت لا يعكس التمثيل الحضرمي التقليدي الذي يحتكم لشعبيته وعلاقاته الاجتماعية والسياسية وميزان القوى، بل كان اختياره نتيجة تفاهمات سعودية - إماراتية لإدارة حضرموت في هذه المرحلة، ففي مقابل سيطرة الإمارات على جزيرة سقطرى، بفرض محافظ وكيلها، فإن تعيين قيادي ينتمي لحزب المؤتمر الشعبي، وموال للسعودية والإمارات أيضاً، يعني ترسيم النفوذ بينهما.  

 

ومن جهة أخرى، محاولة لتحييد مدينة حضرموت عن الانجرار في الصراع بين المجلس الانتقالي ومنظومة الشرعية ممثلا بالبحسني، إضافة إلى ترضية "الانتقالي" بتعيين قيادي من حضرموت ينسجم إلى حدّ ما مع أطروحاته، وإن انتمى لحزب المؤتمر، إذ رحّب "الانتقالي" بتعيين المحافظ الجديد. ومن جهة ثانية، لا يعني منح حضرموت للمؤتمر لا فقط منحه ثقلا في أهم مناطق الثروات في جنوب اليمن، وإنما تعضيد مركزه السياسي، بما يتجاوز نطاقه الجغرافي التقليدي في المناطق الشمالية، ومع أن الضامن في المعادلة الحضرمية قدرة المحافظ، لا القوى السياسية التي يمثلها على إدارة المحافظة، بما في ذلك علاقته بالقوى المحلية، وقبلها إعادة توزيع عائدات الموارد النفطية، بما يدفع إلى تحسين أوضاع المواطنين. 

  

في كل الحالات، لا تخدم سياسة توزيع التمثيل في سلطات المحافظات استمرارية سلطةٍ هشّة، ولا تحظى بمشروعية دستورية كالمجلس الرئاسي، وإن لم يستكمل بعد خريطة تغيير المحافظين، فإن سياسة توافقات التمثيل قد تدفع بتنامي صراعاتٍ بينيةٍ قد تنفجر في المستقبل، وذلك بتكريس نفوذ قوى وإزاحة أخرى، كما أن سياسة توزيع تمثيل القوى في سلطات المحافظات، وإنْ غيرت طبيعة نفوذها الجغرافي، وضمنت تمدّدها، لا تحل المشكلات المحلية في هذه المحافظات، كما لا تؤدّي إلى مأسسة سلطة الدولة، بل قد تكون مساراً نحو التشظّي، ومن ثم إيجاد صيرورات مختلفة لكل مدينة، وبالطبع، خارج المعادلة الوطنية. 

 

*نقلاً عن العربي الجديد 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر