من صنعاء إلى مدينة تعز ومدينة عدن إلى الساحل الغربي، تتسابق سلطات الحرب في اليمن في قتل المواطنين، إذ تنظم القتل خارج القانون وتديره وفق منظومتها المركّبة للقتل، بما في ذلك تكييفه وفق قوانينها القهرية، وإذا كانت جريمة مقتل الشاب اليمني عبد الملك السنباني، قبل أسابيع، في نقطة عسكرية خاضعة "للواء التاسع صاعقة"، التابع للمجلس الانتقالي الجنوبي في مدينة لحج، قد كشفت عن جزء من سردية القتل خارج القانون التي طاولت آلاف اليمنيين في الطرقات البرّية وفي شوارع المدن، فإن هناك قتلا خارج القانون، لا يختلف عنه بشاعة، وإن اتخذ بعداً أكثر إجراماً بدوافعه القصدية ومؤسسته الضبطية والقضائية التي تحولت إلى مظلةٍ لشرعنة إزهاق أرواح اليمنيين.
 

 إذ أصبحت المحكمة الجزائية، سيئة الصيت، سلاح سلطات الحرب الفاعل للتنكيل بالأبرياء، ومأسسة الجريمة التي لا تقتصر على حرمانهم من أبسط حقوق المحاكمة العادلة وحجز حرّياتهم في ظروفٍ لا إنسانية، وتدمير حيوات آلاف الأسر اليمنية جرّاء فقدها عائلها، بل الشرعنة لإخفائهم قسرياً وتعذيبهم حتى الموت، وهو ما يمثّل جريمة قتل خارج القانون، ومن آلاف قضايا الاعتقال التعسفي، تأتي قضية محاكمة قتلة صالح الصماد كنموذج للتضحية بالأبرياء لإغلاق ملفٍّ من أشد الملفات حساسية بالنسبة لجماعة الحوثي.
 

قُتل رئيس المجلس السياسي الأعلى لجماعة الحوثي في مدينة الحديدة، صالح الصماد، هو وستةٌ من مرافقيه، في 19 إبريل/ نيسان 2018، جرّاء غارة لطيران التحالف العربي، بحسب إعلام التحالف حينها، وفي حين ظلت الوقائع الغامضة لمقتل الصماد تُلقي بظلالها على الجماعة، وعلى أجنحتها المتصارعة، بما في ذلك علاقتها بحلفائها، خصوصا مع محاولتها التغطية على مقتله حينها، إذ لم تعلن الجماعة عن مقتل الصمّاد في يوم غارة التحالف، بل أوردت خبرا في موقع وكالة سبأ التابعة لها، بعد يوم من مقتله عن زيارته مصنعا عسكريا في مدينة الحديدة، ولم تعلن مقتله إلا بعد أسبوع من الغارة، فإن سياقات الحادثة تُفصح عن خيوط متداخلة في عملية مقتل الصمّاد، ودور صراع أجنحة الجماعة في العملية، والذي تكشف أكثر في المسرحية التي أعدّتها سلطة الجماعة لإغلاق ملف القضية.
 

فبعد أشهر طويلة من مقتله، ومن أماكن متفرقة، اعتقلت جماعة الحوثي عشرة مواطنين من أبناء الحديدة، ووجهت لهم تهمة تورّطهم بقتل الصماد بالتنسيق مع قيادة التحالف العربي، من خلال المتابعة والرصد وتحديد إحداثيات موكبه، وذلك في القضية رقم 12 لسنة 2019- النيابة الجزائية الابتدائية المتخصصة في الحديدة. وبعيداً عن لا قانونية المحكمة الجزائية، فإن أسماء المتهمين وخلفيتهم الاجتماعية والسياسية تكشف عن هشاشة بُنية القضية وافتقارها أي منطق، إضافة إلى نقل المحاكمة من مكان الواقعة، أي الحديدة إلى صنعاء، في سرّية وإجراءات أمن مشدّدة، تعكس رغبة الجماعة في حجب القضية عن الرأي العام، فيما تؤكّد إجراءات سير المحاكمة والتلاعب بالأدلة، بما في ذلك تدخّل طرف في الجماعة لتوجيه المحاكمة عن محاولة مستميتة للتغطية على المتورّطين الحقيقيين، من خلال التسريع بتنفيذ حكم الإعدام بحق المعتقلين وتمرير الجريمة.
 
 
تكشف توليفة المتهمين في قضية مقتل الصمّاد عن أبعادها السياسية، وكذا هزالتها، وإن ضم تركيبة عجائيبة القصد منها ترضية جناح بارز في الجماعة، إذ شملت لائحة الاتهام شخصيات سياسية وعسكرية دولية وإقليمية ويمنية من الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، ورؤساء دول التحالف العربي المتدخلة في اليمن وقيادتها العسكرية إلى الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، وقيادات عسكرية في السلطة الشرعية، وخصوم جماعة الحوثي، إلى جانب عشرة متهمين يمنيين من أبناء مدينة الحديدة؛ فإضافة إلى الشيخ علي بن علي إبراهيم القوزي، والعميد عبد الملك أحمد حميد، ومحمد خالد علي هيج، ومحمد إبراهيم علي القوزي، ومحمد يحيى محمد نوح، وإبراهيم محمد عبدالله عاقل، ومحمد محمد علي المشخري، ومعاذ عبد الرحمن عبدالله عباس، شملت القائمة المتهم عبد العزيز علي محمد الأسود الذي اعتقل وهو لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره.
 

وتوفي المواطن علي عبده أحمد كزابة، وعمره 23 عاماً، جرّاء التعذيب في السجن، فيما تنوعت وظائف المتهمين من مدرّسين وتربويين إلى طالب، وبائع سمك، ومن ثم لا تجمع بينهم أي صلة، عدا عن أن أغلبهم من مديرية القناوص في مدينة الحديدة، بل إن أحد المتهمين لا يقرأ ولا يكتب، بحيث يجهل سياقات جرّه إلى القضية، وإن كان لاختيار العميد عبد الملك أحمد حميد، ضابط شرطة ومقرّب من صالح الصمّاد، والشيخ علي القوزي أمين عام المجلس المحلي في الحديدة والقيادي البارز في حزب المؤتمر الشعبي العام، وشيخ مشائخ قبائل الصليل التي تشمل مديريات عديدة، والمقرّب أيضاً من صالح الصماد، يحمل دلالات سياسية عديدة، ففي حين كان العميد عبد الملك من رجالات الجهاز العسكري في الدولة، وأحد المقرّبين من الرئيس السابق علي عبدالله صالح، ومن جناح صالح الصماد، فإن الشيخ علي القوزي، كان له موقف معارض للجماعة بعد قتلها صالح، وإن ظل محتفظاً بوظيفته، كما تزعم حملات ضد الفساد في سلطة الجماعة، ومن ثم كان ينبغي إزاحته سياسياً بطريقة تشوّه تاريخه والقوى السياسية التي يمثلها.
 

تتعدّى الثغرات القانونية في قضية محاكمة قتلة الصمّاد بُنية القضية نفسها والمؤسسة القضائية التي شرعنت لها وسلطة الحرب التي تديرها إلى سياقتها، فإضافة إلى غياب أي أدلةٍ حقيقيةٍ تدين المتهمين في ملف يتجاوز الألف صفحة، فإن ما رافق المحاكمات من أشكال التلاعب يكشف عن قصدية التضحية بالمتهمين، من خلال تجاهل أدلة براءتهم، حيث أكّدت بيانات الاتصالات أن معظم المتهمين لم يكونوا في موقع استهداف موكب صالح الصماد.
 

وكذلك تغيير التهم الواردة في لائحة الاتهام من المحكمة في تدخلٍ صارخ، يتعارض مع مواد القانون المنظمة لذلك، فيما استند فريق الادعاء إلى اعترافات المتهمين على بعضهم بعضا التي انتزعت بالقوة، ومن خلال التعذيب بأجهزة كهربائية، والمنع من النوم والحبس الانفرادي والتعليق لأشهر بوسائل وحشية، تسببت بإعاقة الحدث القاصر، عبد العزيز الأسود، ووفاة علي عبده أحمد كزابة في مستشفى الشرطة النموذجي بصنعاء مساء 7/8/2019، وإصابة جميع المتهمين بإصابات خطيرة، هو ما يؤكّد بطلان اعترافاتهم.
 

إضافة إلى تحفّظ الجماعة على شهود مهمين في الواقعة، فضلاً عن منع محامي الدفاع من تقديم دفوعاتهم، وكذلك حصولهم على ملف الحكم، وأمر المحكمة العليا التي لم يثبت اطلاعها على القضية، ومصادقتهم على حكم الإعدام، وفي الحالتين يعد ذلك جريمة. وأمام تسييس الجماعة سير المحاكمة، وحجز القضية للحكم في أقل من 27 يوماً، وحرمان المتهمين من أبسط حقوقهم، بما في ذلك توديع ذويهم، أعدمت جماعة الحوثي تسعة من المواطنين الأبرياء في أغرب وأسرع قضية إعدام حدثت في الحرب، ومنحت نفسها الحقّ بنهب جميع ممتلكاتهم ومصادرتها.
 

في مستوى أعمق، كشفت قضية مقتل الصمّاد، ومحاكمة متهمين فيها والتضحية بهم عن أزمة جماعة الحوثي، ليس فقط في طرق تجييرها القضاء لصالحها، بل في إدارة صراعات أجنحتها، والوسائل التي تلجأ لها لحجبها، فقد مثل تعيين القيادي القبلي، صالح الصماد، رئيسا للمجلس السياسي محاولة لاستيعاب الجناح القبلي الموالي لها، مع تحجيمه لصالح جناحها العائلي الذي يمثل رئيس اللجنة الثورية محمد الحوثي أحد رموزه، إذ خاض الطرفان صراعا على السلطة، أسفر عن عدة اغتيالات سياسية شهدتها صنعاء حينها.
 
 
ومع أن ارتباك جماعة الحوثي منذ مقتل الصماد حيال كيفية ترضية الجناح القبلي الذي يمثله، خصوصا مع اعتمادها عليه في إمدادها بمقاتلين في الجبهات، فإن التجربة السياسية القصيرة للرجل، بوصفه آخر قيادي في الجماعة حاول الحفاظ على شكلية مؤسسات الدولة، حيث خاض معركة ضد سلطة المشرفين، جعلت الجماعة، كما يبدو، تقرّر ضرب ما تبقى من تحالف المؤتمر الشعبي العام والجناح المعتدل في الجماعة الذي مثله الصماد، المقرّب من الرئيس السابق صالح وحزب المؤتمر، وذلك بإعدام متهمين يمثلون بقايا هذا التحالف.
 
 
وسواءً تورّطت عناصر قيادية في جماعة الحوثي بالتنسيق مع التحالف العربي في تصفية الصمّاد، بتسريب إحداثيات أم تم بشكل غير مباشر، فإن محاكمة المتهمين في القضية، وتدخل قيادات من الجناح المعارض لـلصمّاد للضغط على سير المحاكمة وإعدام المتهمين، يكشفان مستويات من التورّط، وإن عزّزت المحاكمة حالة انقسام سياسي واضح داخل الجماعة بين رافض للمحاكمة وطاعن بها وبين قلة مؤيدة، إلا أن الجماعة هدفت من المحاكمة إلى إرسال رسائل سياسية داخلية في نطاق أجنحتها وللمتحالفين معها وللمجتمع الذي تحكمه، وكذلك المضي بسياسة إغلاق الملفات الشائكة التي تمثل أولوية في أمن جماعةٍ ترى نفسها فوق المجتمع، ومهدّدة من خارج محيطها.
 

قوة البطش الأعمى لجماعة متغلبّة فوق القانون كانت أحد مضامين تنفيذ جريمة قتل الأبرياء في قضية مقتل الصمّاد، لإرهاب المجتمع أولاً، ومعارضيها من المعتقلين في أقبية السجون، وقبلها تلقين حلفائها من أعضاء "المؤتمر الشعبي"، ومن القبائل الموالية لها درساً بأن التحالف مع الجماعة لا يعني أنهم في مأمنٍ من العقاب متى ما قرّرت، حتى لو قدّمت تضحيات ودعمتها في حربها، فلا شيء فوق أمن الجماعة ومصالح قياداتها.
 

إلا أن أمن الجماعة لا يقف فقط عند التضحية بالحلفاء المزعجين، وإنما بإدارة ملف الاغتيالات السياسية التي طاولت قياداتها في فترة الحرب، وذلك من خلال سياسة إغلاق الملفات التي تتمحور في القبض على أبرياء، وتلفيق تهم بحقهم، والمضي بمحاكمات سرّية وهزلية، وذلك لإشاعة نوعٍ من التطمين في صفوف زعاماتها، مقابل التغطية على الفاعلين الحقيقيين، وكذلك إيهام المجتمع بأنها تنفذ "القانون".
 

بيد أن قضية مقتل الصمّاد أكثر حساسية بالنسبة للجماعة من مجرّد إغلاق ملف، لأنها تدرك شبهة اختراقها، بما في ذلك تصاعد الصراع بين أجنحتها واحتمال الذهاب بعيداً لتنسيق مع خصومها لتصفية قياداتٍ يشكلون عبئاً عليها، إذ لا تستطيع الجماعة التي حاولت مداراة عقدة الذنب حيال مقتل الصمّاد، بعمل نصب تذكاري له وإطلاق اسمه على الشوارع، وتزيين صوره في واجهات المدن، والتضحية بأبرياء القفز على حقيقة أن إغلاق ملفٍّ لا يعني إخفاء الحقيقة.
 

في صباح حزين ليوم 18 سبتمبر/ أيلول الحالي، وفي ساحة التحرير في قلب العاصمة صنعاء، وقف تسعة من الأبرياء من أبناء مدينة الحديدة أمام مقاصل الجلادين، بينما استند المواطن القاصر، عبد العزيز علي محمد الأسود، إلى كتف عسكري، لأنه لم يستطع الوقوف بعد أن كسر عموده الفقري جرّاء سنواتٍ من التعذيب، وعلى تلك الأرض المخضّبة بالدماء، سالت دماء أبرياء آخرين، تم التضحية بهم كقرابين بشرية.
 
 
*نقلاً عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر