تحضر في اليمن حسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين عاملاً رئيساً في دفع العملية السياسية أو تجميدها، وهذا ما يتكشف من مآلات الجهود الدبلوماسية الدولية التي وصلت إلى طريق مسدود، ومنها جهود الدبلوماسية الأميركية التي تقود حراكاً سياسياً لاستئناف المشاورات بين الفرقاء اليمنيين ووكلائهم، برئاسة مبعوثها إلى اليمن، تيموثي ليندركينغ، حيث فشلت في إحراز أي تقدم حقيقي في الملف اليمني، وذلك محصلة لإدارتها سياسة التوازن الإقليمي، على حساب إيجاد حل جذري ينهي الصراع المحلي في اليمن، وامتداداته الإقليمية.
 
كذلك إن نتائج حراكها الدبلوماسي أثبت أنها لا تملك ما تقدّمه للفاعلين الإقليميين لدفع وكلائهم إلى انخراط في العملية السياسية، بحيث ما زالوا يراهنون على استمرار حروب وكلائهم لانتزاع مكاسب سياسية، ومن ثم، وبدلاً من تغيير الدبلوماسية الأميركية سياستها حيال اليمن، فإنها تدفع الملف اليمني نحو مزيد من المساومات والتجاذبات الإقليمية التي لن تكون نتائجها في مصلحة اليمنيين.
 
يُحسب للإدارة الأميركية الحالية تصدير وقف الحرب في اليمن أولوية لسياستها الخارجية، وإن كان ذلك نتيجة مقاربة خاطئة، تستسهل صيغ الحل السياسي للأزمة اليمنية، إلا أن تركيز الدبلوماسية الأميركية على الملف اليمني أدّى إلى إنضاج مبادراتٍ لوقف الحرب في اليمن، جديدها المبادرة السعودية التي اتخذتها الدبلوماسية الأميركية أرضية لاستئناف المشاورات السياسية بين الفرقاء اليمنيين، أو على الأقل مدخلاً لوقف إطلاق النار.
 
ومع أهمية الحراك الدبلوماسي حيال الأزمة اليمنية، أوجدت المقاربة الأميركية الالتفافية تعقيدات إضافية في الملف اليمني، إذ إن اعتمادها على سياسة التوازن الإقليمي مع السعودية وإيران ورقة سياسية تهدف إلى وقف الحرب في اليمن، أحدث إرباكاً لدى الإدراة الأميركية، وأثّر سلباً في فرص استئناف المسار السياسي، ومن ثم وقف الحرب.
 
ففي مقابل تخفيضها الصراع مع إيران، بما في ذلك دفعها المشاورات حول الملف النووي الإيراني، بهدف إجبار إيران على دفع وكيلها في اليمن، جماعة الحوثي، إلى استئناف المشاورات، فإنها حرصت على حماية مصالحها الحيوية مع حليفها التقليدي، السعودية، الطرف الإقليمي الرئيس في الحرب، وذلك بطمأنتها إلى أن المسار السياسي في اليمن يدعم المسار العسكري، أي استمرار الحرب، بشكل آخر، بما في ذلك ضمان حق السعودية في الدفاع عن أمنها القومي من هجمات جماعة الحوثي، إلا أن محصلة السياسة الأميركية المتناقضة حيال الملف اليمني هي ربط المسألة اليمنية، بما في ذلك وقف الحرب، بالمصالح السعودية والإيرانية، ليس على قاعدة فك اشتباك وكلائهم في اليمن، بل تكريس الملف اليمني ملفّاً استراتيجياً للقوى الإقليمية، بما في ذلك تضمين مصالحهما الحيوية في أي حل مستقبلي، بحيث أدخلت الملف اليمني في نفقٍ أكثر خطورةً من السابق، وجعلته مرتهناً بمصالح الفاعلين الإقليمين، مقابل استنفادها في الوقت الحالي أوراقاً فاعلة للضغط السياسي.
 
 
سياسة شد الحبل التي اعتمدتها الدبلوماسية الأميركية ورقة ضغط على السعودية، سواء بوقف دعم عملياتها العسكرية، أو وقف صفقات بيع الأسلحة، لم تؤد إلى خفض عملياتها في اليمن، لأن التحدّيات العسكرية التي تواجه السعودية تتجاوز تقديرات الإدارة الأميركية الحالية، التي تتمثل باستمرار هجمات جماعة الحوثي الصاروخية في اتجاه أراضيها، إضافة إلى تهديد مقاتلي الجماعة بإسقاط مدينة مأرب، المعقل الأخير للسلطة الشرعية، وكيلها في اليمن.
 
كذلك فإن هذه السياسة لم تدفع السعودية إلى تفضيل الخيار السلمي لحل الأزمة اليمنية، إذ إن المبادرة التي سوقتها الرياض لوقف الحرب، وإن كانت نتيجة ضغوط أميركية، الهدف الرئيسي منها تفويت الفرصة على واشنطن في مباحثاتها مع طهران، في ربط التفاوض حول الملف النووي بالملف اليمني، ومن ثم إخراج عدوها الإقليمي من سياق الحل السياسي في اليمن، إذ أكدت المبادرة رفضها النفوذ الإيراني في اليمن، بما في ذلك حقها المشروع في الدفاع عن أراضيها ضد تهديدات وكلاء إيران، وهو ما يعني أن السعودية لا تجد ضرورة في الوقت الحالي، ولا تحت ضغط حليفها، للتهدئة مع إيران، للدفع بوكيله في اليمن لقبول مبادرتها، وبما يتناسب مع موقف حليفها الأميركي في إدارة أزمات المنطقة.
 
ومن جهة أخرى، السعودية الغارقة في مستنقع اليمن، وإن أرادت حلاً سياسياً يحفظ لها ماء الوجه، ويؤمن حدودها من هجمات جماعة الحوثي، قدمت المبادرة للمناورة السياسية، إذ تدرك أن الجماعة لن تقبل بسقف المشاورات الذي حدّدته بقرار مجلس الأمن 2216.
 
ومن جهة ثالثة، تدرك السعودية أن حليفها الأميركي، وإن تعهد بحماية أراضيها من استهداف الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية التي تطلقها جماعة الحوثي يومياً على منشآتها الحيوية، فإن استراتيجيته الجديدة تهدف إلى إعادة انتشار القوات الأميركية العسكرية خارج حدودها، بما في ذلك منطقة الخليج، مقابل استمرار خطر الهجمات التي تضرب عمقها، هي تحدّيات لا تهدّد أمنها فقط، بل أيضاً صورتها الإقليمية أمام إيران، كذلك إن فشل أميركا في حماية حليفها السعودي، على الرغم من تخفيضه الصراع مع إيران، يؤكد أن الولايات المتحدة لا تملك أي ضمانات سياسية لوقف هذه الضربات، لا من إيران، ولا من وكيلها في اليمن، ومن ثم ستخوض السعودية حربها في اليمن، بأدواتٍ تتناسب مع حماية مصالحها، وبمعزلٍ عن إرادة حليفها.
 
إلى ذلك، راهنت الدبلوماسية الأميركية على سياسة تخفيض العداء مع ايران، ورقة سياسية تؤدّي إلى وقف هجمات وكيلها على السعودية من جهة، ومن جهة أخرى، تخفيف الضغط على معارك جماعة الحوثي ضد السلطة الشرعية، فضلاً عن التمهيد لاستئناف التشاور بشأن الملف النووي الإيراني، ومنحها امتيازاتٍ مقابل دفعها وكيلها في اليمن إلى استنئاف المشاورات السياسية، إلا أن ذلك لم ينعكس إيجاباً على الملف اليمني، فمن جهةٍ تجاهلت الدبلوماسية الأميركية أن علاقة إيران بوكيلها في اليمن تعتمد على قوة الرعب المحلي والإقليمي المترتبة عن القوة العسكرية لجماعة الحوثي التي باتت خطراً لا يهدّد السعودية فقط، بل الملاحة العالمية أيضاً، بحيث منح إيران مكاسب سياسية كراعية إقليمية للجماعة من دون أن تخسر شيئاً، ولذلك ستدفع ببقائها ذراعاً محلية عسكرية مناوئة لخصومها، ووكيلاً محلياً يمثل مصالحها.
 
 ومن جهة أخرى، ومع المكاسب السياسية التي حققتها إيران من توظيف الملف اليمني في التفاوض بشأن برنامجها النووي، فإنها نجحت في فتح قنواتٍ جديدة للتحايل على أي ضغوط دولية بخصوص الملف اليمني، من خلال توثيق علاقتها بالقوى الدولية المنافسة لأميركا، فقد وقعت إيران والصين، أخيراً، معاهدة التعاون الاستراتيجي الشامل، التي نصت على زيادة التبادل التجاري بين البلدين إلى 600 مليار دولار خلال العقد المقبل، وبذلك كسرت ايران العزلة الاقتصادية جرّاء العقوبات الأميركية. ومن ثم سترفع سقفها السياسي في ما يخص التفاوض النووي في مقابل دفع وكيلها إلى وقف الحرب في اليمن.
 
ومن جهة ثالثة، وهذا الأهم، أن الحضور الإيراني في اليمن الذي تنامى بفعل القوة العسكرية لجماعة الحوثي يهدف، على المدى البعيد، إلى ضمان وجود إيران في اليمن بشكل دائم تماماً، كالسعودية والقوى الإقليمية الأخرى، بحيث تتقاسم الإشراف على الملاحة في الموانئ اليمنية، بما في ذلك باب المندب، استناداً إلى مبادرة "هرمز للسلام" التي قدّمتها إيران قبل عام، مرجعية لخفض النزاعات الاقليمية في المنطقة، والذي يتضمن اقتسامها، مع القوى الإقليمية، الإشراف على الممرّات المائية والملاحة في المنطقة، التي تسوّقها جماعة الحوثي مدخلاً للحل السياسي في اليمن والإقليم، أي ضمان حصة إيران في الغنيمة اليمنية.
 
الوكلاء المحليون هم في النهاية مجرّد أدوات خارج ثقل التوازنات السياسية الإقليمية والدولية التي يجري وفقها إنتاج صيغ الحل في بلدان الحروب كاليمن، وإن تم تضمين مصالحهم بحسب قوتهم العسكرية على الأرض. ففيما ترجّح الدبلوماسية الأميركية مصالح السعودية في أي حل سياسي للأزمة اليمنية، مع تضمين قدر من المشروعية لوكيلها في اليمن، السلطة الشرعية، فإن انتزاع الدبلوماسية الأميركية ضمانات من وكيل إيران في أي تسوية مقبلة هو أكثر صعوبة.
 
فإضافة إلى أن جماعة الحوثي قوة عسكرية مليشياوية محلية، لا دولة، أي يصعب إلزامها بأي صيغة حل لا ترضي حليفها الإقليمي، ويضمن بقاءها قوة مليشياوية في أي سلطة مستقبلية، فإنها لا تحترم أي تعهداتٍ أو اتفاقيات، ولا تحفل بأي ضغوط أميركية لاجبارها على الانخراط في العملية السياسية، ومع أن قيادات سياسية فيها التقت، أخيراً، المبعوث الأميركي في مسقط، فإن هدف الجماعة إيهام الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بقبول المبادرة السعودية، فيما حصرت التفاوض حول بعض بنودها، وبمقتضي مصالحها، كفتح مطار صنعاء الدولي، والإشراف على رحلاته من دون أي رقابة دولية، وهو ما يعني حصولها على أموال إضافية، وتأكيد سيادتها السياسية أمام خصومها، مقابل إطلاق يدها في مدينة الحديدة، أي تحديد سقفها السياسي: شراكة في ثروات المناطق المحرّرة، مع استمرار بقاء قوتها العسكرية، وسيطرتها على المناطق الخاضعة لها.
 
ومن جهة أخرى، فإن الجماعة، مثل الوكلاء الآخرين في اليمن، تغلّب مصالح وكيلها الإقليمي على أي فرصٍ لوقف الحرب، بحيث ربطت خياراتها المحلية بخيارات حليفها الإقليمي الذي ليس مستعجلاً في حصد مكاسبه في اليمن. ولذلك تراهن الجماعة وراعيها على تحقيق اختراق عسكري في جبهات مأرب، لفرض شروطها على السعودية وعلى حليفها، بما في ذلك أميركا التي يبدو أن ليس لديها كثير من أوراق الضغط لدفع العملية السياسية في اليمن، وبالتالي وقف الحرب.
 
 
*نقلا عن صحيفة "العربي الجديد"

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر