تعز.. ثمان ساعات يقطعها الطلاب مشيا على الأقدام للدراسة في ريف "الشمايتين"  

يحاول الطالب محمد علي سعيد، من قرية "وادي تب" الواقعة جنوب مديرية الشمايتين بريف محافظة تعز الغربي، أن يوطن نفسه على الاستيقاظ من نومه باكرا، مسابقا خيوط الشمس الأولى من فجر كل يوم، حتى يتمكن من بلوغ مدرسته، البعيدة عن قريته، في الوقت المناسب.
 
 عند الساعة الخامسة فجرا، يبدأ يوم محمد، طالب الصف الأول الثانوي، بالنهوض والاستعداد للسير على قدميه مسافة تقدر بأربع ساعات زمنية، قبل أن يصل إلى مدرسة "السلام" الواقعة في عزلة "راسن" بالمديرية نفسها. ومثلها أيضا أثناء العودة.
 
 وعلى هذا المنوال، يهدر محمد، وقرنائه من طلاب قريته والقرى النائية المجاورة التي ينعدم فيها التعليم، ثمان ساعات من حياتهم يوميا في الذهاب إلى المدرسة، والعودة منها.
 

 صعوبات ومعاناة يومية

يتوجب على محمد- وما يزيد عن مائة طالب وطالبة من القرى والمناطق المجاورة والمحيطة التي تفتقد للمدارس- أن يتجاوزا عددا من المرتفعات الجبلية الوعرة والشاهقة في طريقهم نحو مدرسة "السلام" بعزلة "راسن"، المدرسة الوحيدة القريبة المتوفرة لأبناء تلك القرى والمناطق البعيدة والنائية الواقعة في إطار مديرية الشمايتين.       
 
"أتحرك من المنزل في تمام الساعة الخامسة فجرا، ولا أصل المدرسة إلا عند الساعة التاسعة صباحا، وقد فاتني الطابور الصباحي والحصة الأولى"، يقول محمد، الذي كان يتحدث لـ "يمن شباب نت" عن معاناته اليومية في سبيل تلقي العلم. وبعد الانتهاء من الدراسة، يعود محمد وزملائه إلى قراهم التي لا يصلونها إلا قبل غروب الشمس، وقد أنهكتهم وعورة الطريق وأعيتهم طول مسافتها.
 


يوميا؛ يخرج محمد من منزلهم الساعة الخامسة فجرا، ولا يعود إليه إلا عند الخامسة- وربما السادسة- مساء..!! وبالنظر إلى هذه المعاناة، نجد أن عدد الساعات التي يصرفها الطلاب يوميا لأجل تلقي التعليم في معظم قرى اليمن البعيدة والنائية، كقرية محمد على سبيل المثال، تصل إلى أكثر من 12 ساعة يوميا؛ ثمان منها تهدر فقط في قطع الطريق، ذهابا وإيابا، وخمس ساعات منها فقط تستهلك في الدراسة..!!  بينما لا يتعدى اليوم الدراسي، بالنسبة لأبناء المدن والأرياف القريبة منها، سوى ست ساعات فقط بالكثير.  
 
ويصف محمد هذه المعاناة اليومية قائلا: "من يرانا، ذهابا وإيابا إلى المدرسة، يشعر بفداحة وقساوة ما نعيشه نحن أبناء القرى لأجل التعليم.. نغادر قبل الشروق، ونعود مع الغروب".
 
 ليس هذا فحسب، بل ثمة معاناة أخرى قد تعترضهم في الطريق، منها مثلا: "حينما يتعرض بعض الأطفال الصغار، ممن تقل أعمارهم عن عشر سنوات، للإنهاك الشديد من المشي معنا، فنضطر إلى التخفيف من السير لأجلهم"، بحسب محمد الذي يستدرك: "وأحيانا نتوقف لبعض الوقت من أجل الراحة، كما أننا أحيانا قد نضطر إلى حمل بعض الأطفال الذين يعانون من بعض الأمراض".
 
وعن تجشمه كل هذه المعاناة اليومية، يؤكد محمد لـ "يمن شباب نت" أن هذا الأمر يعود إلى اختياره ورغبته هو، دون أي إكراه من أهله الذين سبق وأن حرموا من التعليم لأسباب كثيرة، منها عدم وجود مدارس في المنطقة. وبالنسبة له، كما يقول، فقد أتخذ قراره في تلقي العلم، ومواصلة الدراسة، رغم كل تلك الصعوبات والتحديات، حتى يتمكن من المساعدة في إخراج منطقته من الجهل، لا سيما في ظل انعدام الوعي بأهمية التعليم.
 


 
أمراض ومخاطر


  في الواقع، كانت توجد مدرسة في منطقة "وادي تب"، إلا أنها أغلقت بسبب عدم توفر المعلمين للتدريس فيها، كما أكد لنا المواطن حاشد العلقمي، أحد أبناء المنطقة.
 
وأضاف العلقمي لـ "يمن شباب نت": ونتيجة لذلك، أضطر عدد من الطلاب في المنطقة، الراغبين في الاستمرار بتحصيل التعليم، إلى التسجيل في مدرسة السلام بـ "راسن"، وقطع كل هذه المسافات هربا من الجهل الذي بدأ يخيم على المنطقة.
 
 وتحدث العلقمي عن جزء من معاناة الطلاب جراء اتخاذهم مثل هذا القرار، بينها أن هناك طلاب مصابين بمرض تكسر الدم، وبالتالي يعانون من تعب شديد في الطريق أثناء ذهابهم للمدرسة البعيدة، حيث يضطرون إلى قطع ثمان ساعات يوميا، تقل قليلا أو تزيد من منطقة إلى أخرى، فيضطر زملاءهم لحملهم على أكتافهم.
 
وبالإضافة إلى ذلك، تحدث أيضا عن وجود بعض المخاطر، بينها وعورة الضواحي الجبلية التي يمرون عبرها، أما أخطرها- كما يقول- هو وجود حيوانات مفترسة ووحوش في بعض المناطق النائية لا سيما التي ينعدم فيها أي توجد آدمي.
 
وطالب العلقمي السلطة المحلية، ومكتب التربية والتعليم بالمديرية، والعقلاء من أبناء المنطقة، إلى العمل الجاد لإعادة فتح المدرسة المعلقة في منطقتهم، وإضافة عدد من الفصول إليها، وتوفير المعلمين لإنهاء هذه المعاناة اليومية للعشرات من الأطفال الذين يقطعون مسافات طويلة على أقدامهم لتحصيل العلم، معيدين بذلك طريقة التعليم القديمة، حيث كان طلاب العلم يقطعون المسافات الطويلة مشيا، بحثا عن العلم الذي ينعدم في منطقتهم..!!
 



معالجات بسيطة

  مع أن إدارة مدرسة السلام بعزلة "راسن"، تفهمت حالات ووضع الطلاب القادمين من تلك القرى البعيدة ومعاناتهم، حيث عملت على بعض المعالجات المتاحة، إلا أن هناك حلولا أخرى أكثر أهمية عجزت عن القيام بها بسبب ضعف الإمكانات.
 
فوفقا لمدير المدرسة الأستاذ نجيب إبراهيم، عملت الإدارة تقديرات خاصة استثنائية للطلاب والطالبات المقيدين في المدرسة من الوافدين إليها من مناطق بعيدة، كقرى: "وادي تب" و"المقشامة" و"مبدار"..
 
 وأبرز ما ذكره المدير، لـ "يمن شباب نت"، في هذا الجانب، أن المدرسة اتخذت قرارا بإعفاء أولئك الطلاب من الطابور الصباحي، والسماح لهم بحضور الحصة الأولى أو الثانية مباشرة عند وصولهم، ودون عقاب.
 
 لكن هذه المعالجات، بحسب المدير، ليست كافية، حيث كان يفترض وجود سكن طلابي يستطيع احتضان بعض هؤلاء الطلاب، وهو ما تفتقر إليه المدرسة حاليا، الأمر الذي يرفع من معاناة الطلاب أثناء عملية التنقل بين قراهم والمدرسة، حيث يتنقل الطلاب في أوقات الحرارة الملتهبة أيام الصيف، أو البرودة القارسة أثناء فصل الشتاء، وقال إن مثل هذه المعاناة تزيد من آلامهم.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر