‏خدعة الشرعية ..


نور ناجي

 ‏"الهروب من الواقع" هو الواقع الذي نحياه في بلد عشقته الحرب وضمته لصدرها بشغف ولهفة، لكن بعض الأحداث تجبرك على التوقف وسماع لهاثك الهارب وأنت تتلفت حولك..
 
‏رسالة باغتتني، لم أفهم وأنا أنتقل بين سطورها الأولى المعنى منها حتى تقافزت علي حروفها بغتة لتنتزع قطع من روحي بلا رحمة. بغتة؛ كالموت الذي توسله أب- عبر حروفها- يود إيصال بوحه لأبنه الذي كان مختطف لسنوات في سجون الحوثي، معتقل بلا قضية ولا محاكمة ميزت "الصواريخ العاشقة لأرواح الأبرياء" رائحة جسده واصطادته..
 
‏لو يدرك الموت بأن القلب لم يعد به متسع لوجع جديد، لكف عن لعبته القاتلة وأشفق علينا وأخذنا أيضاً بغتة، موت بلا تأجيل أو أعذار لنتوقف عن سماع أنين مثل تلك الحروف ..
 
‏سأنقل لكم تلك الرسالة دون أن أغير منها حرف واحد:
‏"قد كنت يا صغيري تشعر بالحنين إلى وطن البقاء، لم يدم انتظارك طويلاً، كانت أمك قد رأت في منامها أنك هربت من سجنك حافي القدمين، ثم قامت تبحث عنك، بعد يومين من رؤياها تلك، عقب أن بلغها أن طائرات مجنونة قذفتكم بحممها..

بعد أيام؛ وجدت نصفك في ثلاجة موتى ولم تجد قدميك..! ولعلها أدركت تأويل رؤياها ساعتها!..

وظل القادمون من الكهوف متشبثون، لأشهر، بما وجدوه من أشلائك إلى أن حظيت الأرض اليوم بضمك وما زال آثار من لون الحمرة في دمائك..
‏سلام عليك يا ......، سلام على نصفك المدفون وسلام على نصفك المفقود..
‏والدك ....."
 
‏انتهت حروف الوالد المكلوم، وقد يأس من العثور على ابنه أو حتى قدميه المفقودتين..
 
‏قراتها عدة مرات قبل أن القي بنفسي جوارها، وأنا أتساءل بقلب مفجوع: "هل تستحق ميليشيا الحوثي كل تلك اللعنات التي تصب عليها منذ انقلابها؟
يحسب لها أنها كانت صادقة معنا منذ أولى أيام تمردها، قالتها عبر همجيتها وجنونها وعربدتها: أنا جماعة قادمة من العصور البدائية، لا أجيد سوى القتل، ولا أريد سوى الطاعة المطلقة والانحناء. عدو واضح وصريح، لم يلبس البدل الأنيقة ولم يغازلنا عبر وعود التحرير وعهود بصناعة الديمقراطية ..

‏أقصد بحديثي ما تسمى بحكومة الشرعية. الشرعية التي أفرغت منا أعذار مبررات فشلها عبر ثلاث سنوات من المعاناة والألم.
 
‏"لا تشقوا الصف..!"، كان ذلك العذر الأكثر استخداماً. تجاهلنا وغضضنا الطرف عن الصف الذي أصبح صفوفاً وطوابير مختلفة الأهداف والمعايير؛ صف يبحث عن طريق للهروب من جنون البلد بعد أن أصبح الجنون هو الشرعية المتحكمة بالأرض؛ وصف يبحث عن تماثيل جديدة لعبادتها بعد أن حطمت بعض أصنامه؛ وصف يبحث عن فتات لقمة عيش؛ وآخر يبحث عن إنقاذه بالانضمام للميليشيا، أو أي جماعة تحمل سلاح وهدف خاص..
 
‏المسلي في تلك الطوابير، أن من كان يقف في صف الحكومة، انشق عنها وأدار لها ظهره- عدى أصحاب الطبول بالطبع. فلم يعد هناك صف لكسره، وذلك بفضل جهودها ..
 
‏لم نعد نطالبكم بشيء لثقتنا الكاملة بلامبالاتكم، لعل الرواتب التي تتقاضونها من دول التحالف أنستكم الهدف من تواجدكم في (حكومة التعيينات والوكلاء)، وهو: تمثيل هذا الشعب والعمل من أجل مصالحه. فمثل تلك الرسالة وغيرها لن تجعل أحدكم يشعر بقلب ذلك الأب أو تلك الأم، وغيرهم الكثير ممن أخفت سجون الحوثي أبناءهم، وقد تركتم مهمة إنقاذهم لنساء وأطفال المختطفين والمعتقلين، الذين يقفون عُزّلا أمام سجون الحوثي وأسوارها. يتحملون من المشاق ما لا يستطيع من تعود على هواء المكيفات تحمل معاناته..
 
‏حين تفرض حكومة ما، على نفسها عزلة محكمة ومنفى إختياري من الصعب اختراقه واقتحامه للتخلص من مطالب شعبها، علينا الإدراك أنها تتنزه خارج جلدها، ولم يتبقى في دواخل اصحابها مكان للضمير..!
‏فلا تترك الكروش متسعاً من المساحة الكافية له..!!
 
‏على الرغم من الصدمات التي نزلت بالشعب، إلا أن الخدعة انطلت عليه فترة لا بأس بها، وكان يرفض تصديقها والنظر بأعين بصيرة لإدراك بأن من يمثلهم يفتقد للإحساس بالمسؤولية. الافتقار لقليل من مشاعر التعاطف مع المآسي التي يعيشها اليمني، انطلت عليه واستيقظ متأخراً على حقيقة كونه مجرد حدث طارئ.
 شعب وضع بالصدفة على طريق موائدهم، ازاحوه جانباً قبل أن يكملوا طريقهم اليها..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر