اليمن والحروب 


إفتخار عبده

كنا نسمع عن الحرب من الآباء ، كان الحديث عنها يثير عجبنا ويذهلنا أشد الذهول ، خصوصاً الحديث عن الجبهات.
 
لقد كان الحديث عن الجبهات يخيفنا، يجعلنا نضم ذواتنا ونعتدل سوياً في  جلساتنا لنسمع أكثر ، وكأننا نسمع قصص خيالية عن تجار الحروب  وأعمال بعضهم الشنيعة، وبعد ماكبرنا، قرأنا  عن الحرب ربما بشكل كافٍ ، أو غير كاف ،عندها وجدنا فرقاً  بين  حديث الآباء الذين شهدوا ذلك  الواقع، وبين ماهو مكتوب في صفحات الكتب، أو ربما أن صفحات الكتب تخلو  من تلك التنهدات التي كان الآباء يصدرونها..حتى ظللنا في شك من الحرب كبير.
 
أبداً لم نتمنى الحرب في يوم من الأيام ، ولم تكن بخيالنا ، لكنها أتت لتعيد لنا المشهد الذي سمعناعنه وقرأنا ، لقد أعادته بنفس السيناريو  ونفس الأحداث، مع فارق بسيط في الزمن.
 
حدثنا الآباء عن  الفقر والجوع والأمراض والأوبئة ، فوجدنا كل ذلك وبشكل كبير وواسع.
حدثنا الأباء عن الإماميين الذين اسكتوا  كل فاه  يريد أن ينطق بالحق وهذا ماوجدناه بالفعل في هذه الفترة.
 
قرأنا مقولة الإمام أحمد التى قال فيها: (والله لأروي سيفي من دماء العصريين )كان يقصد بجملتة هذه الشعراء والأدباء والناس المثقفين الثائرين ضد الإمامة ومظالمها، وها نحن  نجد هذه المقولة تطبق في أرض الواقع مع فرق بالآله القاتلة، فذاك استخدم السيف وهؤلاء يستخدمون كافة أنواع الأسلحة وكافة الوسائل ، يقضون على كل من يفكر بالقضاء على الجهل وآهله ، بالقضاء على الظالم ومظالمة والرفع من شأن الإسلام الذي يكاد أن ينقرض على أيديهم لولا رعاية الله عزوجل.
حدثتني أمي ذات ليلة على سطح منزلنا تحت ضوء القمر عن الجبهات التي كانت تدار، وعرّضت بحديثها عن أولئك الذين ذهبوا للجبهات لغرض النهب والسلب  وأخذ كل مايطيب لهم.
 
اقشعر جسدي ولم أتوقع  ماتقوله ، لم أستطع أن أتخيل ذلك لكنه أتى إليّ بعين الحقيقة اليوم فها أنا أرى اليوم بأم عيني ماذا يحدث مع تجار هذه الحرب وما يكسبون من ورائها.
 
رأيت التشريد لأهل المنازل ، خرجوا تاركين منازلهم للعابثين بها ،  رأيت ذلك التهور الشديد البادر منهم وهم يأخذون أدوات المنازل ويدّعون أنهم يجاهدون في سبيل الله ، رأيت الفقير الذي ازداد فقراً وفاقة. ومن ماتوا جوعاً ومرضاً.
 
، عذراً يا أمي  كنتُ مصدقةً لك فيما كنتِ تتحدثين، لكنه نوعٌ من الذهول لاغيرأتُراها  عقوبة اندهاشي لذلك ،وعدم استيعابي كلامك 
 
حدثتني أمي عن عسكر الإمام  وكيف كانوا يصنعون بهم إذا ماأتو إلى قريتنا  وماكانوا يطلبون منهم  من أصناف الأكل والذبائح عن أسلوبهم القاسي  في الحديث وكيف كان الناس يتضورون منهم خوفاً .
 
كنت أضحك ساخرةً من ذلك الواقع  المليء بالرعب والرهب ، وهاهو الواقع اليوم قد عاد بذاته ، إذ لم يستطع العامة  الحديث عن تلك الفئة السياسية المعينة خوفا منهم ، وإذا ماأتت تلك الفئة إلى صاحب تجارة بسيطة أو كبيرة فهي تأخذ كل ما يلذ لها  دون أن ينبس التاجر بكلمة واحدة،  وليس الأمر مخصوصاً على التجار فحسب،  بل إنه  قد شمل الناس عامة حتى على مستوى سائق الباص الذي استأجر باصاً  ليكفي  ذاته من خلاله ،  وجدته ربما يذهب نصف مايجد  لمن يقابلوه في الطريق  ، يأخذونها تحت مسميات لا أساس لها في الواقع ، بل إن أكبر دليل على ذلك هو قطع المرتبات ، وأخذ الأموال من الناس   مقابل مايسمونه تبرعاً.
مرةً أخرى آسفةٌ ياأمي  فلقد صدّقتُ حديثك ذاك  .
حدثني أبي ذات مرة- ونحن نحتسي القهوة سوياً -عن  الثوار الذين  ذهبوا ليقضو على الإمام وكيف كانوا يقطعون المسافات الطوال  مع الجوع والعطش ،  كنتُ أشعر بالحماس الشديد ، وهاهو حديثك ياأبي يعود على أرض الواقع  فالأبطال لا زالوا بالمرصاد  للظلمة وهم الآن يجاهدون تحت حرارة الشمس ومع البرد القارس في الجبال والأودية خلف القلاع والأشجار. ، وهاهو الحماس ذاته.
 
أثناء قرائتي عن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر  التي دحرت الإمام  وأقامت الجمهورية ، تفاجأتُ أنها لم تكن  الثورة الأولى لدحر الإمامة ، فقد سُبقت بممهدات لها في الثلاثينيات وثورة 48 هنا تيقنت أن ثورة 2011.
 
ليست إلا فاتحة لتحقيق النصر الأعظم عما قريب بإذن الله ، وليس كما يزعمون بأنها سبب الخراب والدمار.
قريباً بإذن الله سيؤذن مؤذن النصر لليمن الحبيب وستقوم الدولة المدنية الحديثة التي حلم بها الشعب اليمني بأسره وقاتل لأجلها.
فلقد صدق وصدق كثيراً  الشاعر  زهير بن أبي سلمى حين قال:  ومالحرب إلا ماعلمتم وذقتموا ...وماهو عنها بالحديثِ المرجمِ.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر