بحجم التاريخ العريق، وحضارتها العتيقة الممتدة في عمق الأزمنة البعيدة التي خلفت مآثر تليدة لن تبددها السنون في أية بقعة من الجغرافية اليمنية الأصيلة التي شهدت أولى حضارات العالم الخالدة، وتزخر الذاكرة الثقافية بآثار حضارتنا القديمة منذ حقب زمنية تعود إلى عهد العمالقة وجُرهم وعاد الأولى والثانية، وحضارة الدولة المعينية والسبئية والحميرية وحضارة أوسان وقتبان، ودول ما بعد الإسلام المتمثلة بالدولة الأيوبية والرسولية والصليحية وغيرها من الدويلات التي جعلت من اليمن أول البلدان الغنية بالآثار التاريخية المتنوعة من القلع التاريخية والبرونز والجوامع والمعابد والكنائس والقصور والتماثيل والمتاحف والقطع الأثرية الثمينة.
 
وبما أن التراث الثقافي جزء من هويتنا الثقافية التي نستمد جذورنا منها كشعب أصيل وعريق ونتاج تراكم من الخبرات والتحولات والثقافات المتوارثة من القيم الإنسانية النبيلة والتربية الشجاعة في عشق حياة الحرية والتمرد الواعي الرافض لكل أشكال الظلم والاضطهاد المجتمعي الذي تريد به عصابة الحوثي تجريد الشعب اليمني من إنسانيته بمحاولة طمس تراثه الثقافي وتغييب وقمع أية رمزية تاريخية لعراقة الشعب اليمني ذي التاريخ المجيد، وانتهاك القيم الاجتماعية من أجل خلق واقع منفصل عن الماضي، تكرس فيه حياة العبودية والخضوع والولاء، وتسعى إلى كبت الحريات وتغييب الماضي من الأذهان خوفًا من التمسك بحياة الشهامة المتوارثة، وارتفاع هامات الأحرار أمام الجبابرة والمستبدين دون الإذعان والانحناء.
 
ولأن التمسك بقيمنا النبيلة والمحافظة على تراثنا الثقافي، يغرس في نفوسنا الثقة بعراقتنا التاريخية، ويوقظ في نفوسنا نزعة الاعتزاز بالانتماء الأصيل الذي يجعلنا نستمتع بحريتنا الكريمة دون أي قيود مفروضة سوى القوانين والسنن المشروعة والمنظمة لحياتنا الاجتماعية، وكما تنص المقولة الشهيرة "من لا ماضي له لا حاضر له"، والمجتمع اليمني ليس كالشعوب التقليدية الناشئة رغم تدني المستوى الاقتصادي، لكنه شعب ذو حضارة وهوية مغروسة في دمائهم يندفع بشكل عفوي مع انبلاج بصيص من الأمل في القضايا الوطنية.
 
 ويضمر الاستهداف الحوثي للآثار التاريخية والمعالم الأثرية، والمتاحف والمكاتب القديمة، الذي رام به تضليل الشعب وسلب هويته الثقافية، وتجميد العقل الجمعي في إيقاف حركة التنوير التقدمي، ومحاولة تطويع الشعب بثقافة عقيمة مجردة من الفكر الحقوقي حفاظًا على بقاء واستمرار سلطته الانقلابية المفروضة بالقوة، وتدرك هذه الجماعة العصبوية أن الاحتفاظ بالتراث وأية حركة أو نشاط ثقافي متصل بالتراث الثقافي، بأنه ينمي الوعي الوطني، ويعمق صلة المواطن بهويته كمواطن يعتز بوطنيته في ظل العيش الكريم.
 
ولهذا استغلت المليشيا ظروف الحرب الناشبة، وسعت إلى تغييب التراث الثقافي في قصف المعالم التاريخية، والمواقع الأثرية، ونهب بعض المتاحف، والمكتبات القديمة، بهدف إبعادها عن المجتمع اليمني، والاتجار بها في مزارات خارجية لأغراض براجماتية لا تخرج عن نطاق مصلحة الجماعة، ولإيجاد وعي اجتماعي مغاير لمظهر الاحتفاظ بالتراث، وتجميد أية حيوية ثقافية تحمل أشكال العصرانية وأفكار الحداثة التقدمية، والاعتزاز بتراثنا الأصيل الذي نستمد منه تقادم حضارتنا وقيمنا الأخلاقية السامية التي تناقلتها الأجيال.
 
والمتابع للمشهد السياسي اليمني عقب الانقلاب الحوثي، والذي سعى لقتل كل ما هو جميل في الجغرافية اليمنية، ومثلما استهدف الموارد البشرية والسيطرة على الثروات القومية، سعى للانتقام من مظاهر الحضارة والمزايا الثقافية، والعلة من ذلك التخوف من طوفان الوعي الثوري المتوقع، والشواهد بذلك عديدة، ومنها تحويل بيت الثقافة في صنعاء إلى محل تجاري تباع فيه الملابس النسائية، بغرض تشويه هذا الصرح الثقافي، والتقليل من أهمية الثقافة والتنوير.
 
 وينعكس خصامهم العميق للفكر الواعي، والعقلية الدوغمائية لهذه الجماعة الأقل نضوجًا في المجتمع اليمني، في إقدامهم على نهب مخطوطات المكتبة التاريخية في مدينة زبيد الرائدة في التعليم، واقتحام متحف بينون الأثري، وأخذ كل محتوياته الأثرية، مع مصادرة المكتبة الوطنية في محافظة ذمار، وتخريب معبد الهندوس، وكنيسة سانت جوزيف في الثغر الباسم العاصمة المؤقتة عدن، وقصف الجوامع التاريخية، والمدينة القديمة في مدينة تعز الحالمة، وغيرها من المعالم التاريخية في اليمن؛ وذلك نتيجة لعدم استيعابهم أهمية التعليم والتراث الثقافي، وأنها أحد المقدسات الوطنية المسلم بها أخلاقيًا وقانونيًا.
 
وإن لم نتمسك بجذورنا الأصلية، ونوطد صلتنا بالهوية الثقافية التي بها نحافظ على سمة الافتخار بالماضوية الحضارية ومجدنا التاريخي، لن نفيق من السبات العميق الذي نحن فيه، والاغتراب عن العمل التقدمي، لأن الاستناد إلى موروثنا الثقافي وامتداد تاريخنا المجيد والغزير بالإرث الخالد، سيوقظ فينا الضمير الوطني، ويثير النخوة في الدفاع عن هويتنا الثقافية وممتلكاتنا الحضارية العامة.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر