الرئيس هادي بطلاً!


عبد الله شروح

  أثناء تتبعي "الهوشة" التي حدثت في تعز خلال عيد الأضحى، والتي نتجت عن إصرار البعض هناك على رفع صور العميد طارق صالح- وجدتني أحاول تفسير حرص مسؤولينا هذا على رفع صورهم في الفعاليات، في شوارع المدن وجدران المؤسسات، رغم ما نفترضها لديهم من معرفة مسبقة بأن هذه الصور ستُنتزع على أفضل الأحوال بمجرد مجيء خلفائهم، الذين لن يقلّوا رداءة عنهم، ولا هوساً برفع صورهم..
 
ما الذي قدّموه لنا كشعب يجعلهم يتوقعون مثلاً بأن رؤيتنا سحناتهم من شأنها تحسين مزاجنا، ورفع إنتاجيّتنا، كما لو أنهم رموزنا الوطنية الملهمة؟!
 
هكذا مضيت أتساءل، حين التمعت في ذاكرتي فجأة صورة الرئيس السابق "هادي"، باطمئنانها العجيب داخل بروازها المذهّب، أعلى رفوف المكتبة المتواضعة لمجلس أحد أصدقائي، وهو مهندس شاب وفد إلى مأرب قبل عامين، ونشر رواية لم أقرأها بعد.
 
كانت صورة "هادي" تلك، هي أوّل ما وقع عليه بصري لدى دخولي المجلس (كان ذلك بعد زمن يسير من نقل هادي سلطته إلى مجلس الثمانية)، ولكم تفاجأت بها! فأن ترى صورة رسمية لرئيس سابق انقضت مسيرته في نكبات هائلة، وبلا أمجاد.. أن تراها مرفوعة في بيت أحد مواطنيه، مكللة باحترام بالغ، لهو أمر بالغ الإرباك.
 
ظلّت عيناي ملصوقتين لوهلة في تلك السحنة الكاريكاتورية المؤطرة بالذّهب، بخديها الطفوليين الممتلئين حدّ التهدّل، وفمها المبالغ في إطباقه؛ الفم الّذي لم يتدفق بكامل حماسه سوى مرتين: مرّة وهو يحكي قصة هروبه من عاصمته المغتصبة إلى العاصمة المؤقتة (عدن)، ومنها إلى الدولة الشقيقة.. وأخرى وهو يشرح أغرب نظرية سمعناها عن الخوف؛ خوف الرأس وخوف الأرجل..
 
ثم يا لتلك العينين الضيّقتين، والفقيرتين إلى الحد الأدنى من البريق العبثي للصلعة أعلاهما؛ الصلعة التي لطالما اعتبرتها الدليل الحاسم على خرافيّة ربط الصلع بالذكاء!
 
انتزعت عينيّ أخيراً عن تلك التوليفة التي لا تنمّ عن أي خطر أو تميّز، وتوجهت بهما، جالساً إلى متكئي، إلى وجه مضيفي، منخرطاً في قهقهة طويلة، إذ عجزت عن حمل الأمر سوى على أنه إمعان في السخرية من شخص ضاعت في رئاسته بلاد وعجز عن استعادتها.
 
لكن صديقي مضى يحاججني بجدية لم يترك لي معها مجالاً للشك في أنه يعتبر الرجل بالفعل بطلاً قومياً، وأنّه رفع صورته هنا، في جبين المجلس، على سبيل العرفان حقاً: كيف لا والرجل لم يسعَ ليكون رئيساً، وإنما قبل المنصب حين قدّمه له طرفان رأيا فيه مجرّد مطيّة، ليفاجئهما بعدها بأنه ليس مطية لأحد؟!
 
رجل استمر، مجرداً من أي عصبية، سياسية أو قبلية أو مناطقية، في محاولة بطولية مريرة لإصلاح ما يمكن إصلاحه، ثم حين عجز عن ذلك- ليس لرداءة في جوهره، أو فساد في نواياه، وإنما بسبب من ضخامة الخراب الحاصل- لم يقبل التوقيع على أي تنازل، فبقي يقاوم ببسالة، محتملاً أشد صنوف الإهانات: أولاً وهو مسجون بقصره في صنعاء، ثم وهو بقصر الضيافة في البلد الشقيق.
 
"كان بطلاً في رفضه حين أعجزته الظروف القاهرة عن بطولة البناء"، هكذا اختتم صديقي مرافعته بعد مقارنة سريعة أقامها بين صاحب الصورة وأعضاء مجلس الثمانية.
 
حرصت بعدها على نقل الحديث إلى مواضيع أخرى، محتفظاً بقناعتي بأن هذه البطولة، التي يعزوها صديقي للرّجل، لا تقوم على معطيات حقيقية وواقعية من سيرته، وإنما هي انعكاس لهول السقوط المتمثل بأداء مجلس الثمانية؛ السقوط الذي يعمل كعدسة مكبّرة لأداء الرجل السابق.
 
لا أدري إن كانت هناك صورة أخرى لـ "عبد ربه منصور هادي" معلّقة في بيت يمني آخر حتى الآن، لكن حقيقة أنها مرفوعة في بيت صديقي، محظية بإجلال خاص، تكفي لأجزم بأن صاحبها قد حظي بتكريم قد لا يتسنى لأي من خلفائه الثمانية.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر