خلال العام الماضي توقع صندوق النقد الدولي، نمو الاقتصاد اليمني بنسبة ٢٪، وهو نفس الرقم الذي توقع حدوثه مرة أخرى خلال العام الجاري.
 
توقعات صندوق النقد، لم تستند إلى أي معطيات حقيقية على الواقع، من شأنها أن تعمل على إعادة تعافي الاقتصاد وهيكلة القطاعات المترهلة، أو حدوث إصلاحات اقتصادية، أو خطوات حقيقية لإعادة توحيد الأوعية الايرادية وإنهاء الانقسام النقدي والمصرفي، ووقف نهب الموارد.
 
فقط كانت نقطة التوقع، ترتكز على حدوث اختراق في الجانب السياسي، والبدء بمشاورات تفاوضية بين الحكومة والحوثيين، تنهي عملية الحرب العسكرية، وتعطي الفرصة لإعادة إنعاش عملية الإنتاج في الجانب الاقتصادي، إلى جانب ارتفاع أسعار النفط، وتحقيق الحكومة عوائد مرتفعة من الصادرات.
 
يعود صندوق النقد الدولي، مجدداً اليوم، مشيدا بما يسميها حركة الإصلاحات الحكومية في الوعاء الضريبي، وفي عملية المزادات التي أشار إلى أنها حققت الاستقرار في أسعار الصرف، خلال الفترة الأخيرة، وفي توقف الحكومة عن التمويل من مصادر تضخمية، لافتاً إلى أن العائدات النفطية، شهدت ارتفاعاً هاما ساعدت في تقليص العجز في الإنفاق الحكومي.
 
بيد أن الذي لم يتطرق له صندوق النقد الدولي، هو عملية التشظي والانقسام في الاقتصاد الوطني، وتشتت الموارد، والانقسام النقدي وازدواج القرارات التي تتعلق بالقطاع المصرفي بشكل عام، حيث ماتزال هذه الإشكاليات تشكل عوامل معطلة ومعيقة لأي إصلاحات نقدية ومالية أو محاولة تفعيل لأدوات السياسة النقدية، التي من شأنها إعادة ضبط البوصلة في مسار النشاط المالي والمصرفي في عموم المحافظات اليمنية وتحقيق الاستقرار الكلي لأسعار الصرف.
 
ما هو مطلوب العمل من أجله، في الوقت الراهن، هو إنهاء هذا التشتت الحاصل في القطاعات الاقتصادية والمالية، ووقف نزيف الموارد، ونهبها من قبل الحوثيين، إلى جانبهم استمرارهم في ترسيخ كيان اقتصادي منفصل، عبر إعادة تغيير وهيكلة كافة القطاعات الإيرادية، واستحداث هيئات ومؤسسات أخرى، من شأنها أن يؤسس لما هو أبعد وأعمق من الجانب الاقتصادي.
 
خلال العقود الماضية، ظل الاقتصاد اليمني، يعاني، من اختلالات عميقة، في مجالات البناء المؤسسي، والفساد وغياب الحكومة، والشفافية، فضلا عن ضعف آليه التحصيل للجهاز الوعائي للدولة، وتسرب الكثير من الموارد السيادية، تفاقمت مع بدء الحرب أواخر العام ألفين وأربعة عشر، جراء ما حصل من توقف للصادرات النفطية والغازية التي كانت تشكل 70% من الموازنة العامة للدولة، واستيلاء الحوثيين على الموارد العامة في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وما تلا ذلك من تشتت للموارد، وانقسام نقدي، ومحاولة الحوثيين، تأسيس كيان اقتصادي بمعزل عن إدارة الحكومة اليمنية، وهو ما عزز من اتساع الفجوة الغذائية في البلاد وتفاقم معدلات الفقر والجوع والبطالة.
 
للتحفيف من حدة الآثار الكارثية والتداعيات السلبية، لهذه الاختلالات على الوضع في البلاد، يحتاج الاقتصاد اليمني، إلى دعم خارجي حقيقي، ومقدمة ذلك المؤسسات المالية الدولية، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، والأخير اقتصر دوره خلال السنوات الأخيرة، على تقديم الاستشارات والدعم الفني، في إعادة بناء المؤسسات المالية وقطاعات الرقابة في البنك المركزي اليمني، بالعاصمة المؤقتة عدن، دون أن يكون هناك دعم مالي، لإعادة ترميم المؤسسات المالية والاقتصادية في البلاد.
 
يعزو صندوق النقد الدولي، غياب الدعم المالي، إلى عدم استدامة موارد الحكومة، وبقاء العديد من الإشكاليات التي تهدد مسار العمل الحكومي، وهو بهذا المنطق يجافي، التوقعات الصادرة مؤخراً عن بعثة الصندوق التي التقت افتراضياُ مسؤولين من الحكومة والبنك المركزي اليمني، في العاصمة الأردنية عمّان، ورفعت سقف التوقعات الإيجابية، بإمكانية ارتفاع معدل النمو خلال العام الجاري، بنسبة 2%، 3،2 خلال العام القادم، واستطردت بعثة الصندوق، أن هذا التوقع يقترن بدرجة كبيرة، من حالة انعدام اليقين بشأن تطور النزاع وتوافر التمويل الخارجي.
 
إذن في ظل هكذا أوضاع، يبقى تدخل صندوق النقد الدولي بصدق، من أجل إعادة ترميم المؤسسات والقطاعات الاقتصادية والحيوية، في البلاد، ذات أهمية بالغة، وعدم الاكتفاء بمراقبة الوضع عن بُعد، كناشط ينتظر حصول المعلومات، من أجل الشروع في التحليل وقراءة المؤشرات الاقتصادية للبلد الفقير.
 
ما تعانيه البلاد، ومؤسساتها الاقتصادية، من تدهور لقيمة العملة، وانقسامها، وارتفاع معدل التضخم في أسعار السلع والمواد الغذائية، يتّحتم على كافة المعنيين، بانتشال البلدان النامية والفقيرة، من براثن الفقر، العمل وفق مسارات مختلفة ومتعددة، الأوجه والخيارات، لتفادي كارثة الانهيار، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر