طفت على السطح مؤخراً، قضية اختلال قطاع الكهرباء، وطريقة إدارة الحكومة العشوائية لهذا القطاع الحيوي المرتبط بالملف الخدماتي للمواطنين، عبر تراشقات إعلامية متبادلة بين رئيس الحكومة، وبين محافظ عدن أحمد لملس.
 
أسفرت هذه المهاترات الإعلامية، عن ظهور جزء يسير من حجم العشوائية والعبث الممارس من قبل الجهات الرسمية في قطاع الكهرباء، وطريقة إدارته التي تنبئ عن عقلية عقيمة تدير دفة الأوضاع في الوقت الراهن، كلفت الخزينة العامة للدولة الكثير من الموارد وحرمت بقية فئات الشعب من الاستفادة منها، فضلاً عن الانتقائية التي تمارسها الحكومة في ملف الخدمات وتركيز ثروات الشعب، نحو مناطق محدودة، في حين ظلت بقية المحافظات والمدن وماتزال محرومة من أبسط الخدمات الأساسية.
 
أعتقد أن أهم ما كشفت عنه المهاترات الإعلامية الأخيرة، ليس فقط محاولة التنصل من المسؤولية وإلقاء اللوم على الاخر، بل كشفت أيضا عن جانب عريض من حالة العبث والعشوائية في قطاع الطاقة طوال السنوات الماضية.
 
تحول قطاع الكهرباء إلى ثقب أسود يلتهم الموارد الشحيحة للدولة، في الوقت التي تواصل فيه الحكومة إدارة دفة هذا القطاع بنوع من اللامبالاة واللامسوؤلية إن لم يكن تواطؤ مع الفاسدين والمتمصلحين من نهب المال العام وتبديد الموارد المالية للدولة.
 
يشير الرد الحكومي على محافظ عدن، إلى أن إنفاق الحكومة على الكهرباء في عدن يمثل تقريباً 60 بالمائة من إنفاقها على القطاع بشكل عام في كل المحافظات المحررة، وأن كلفة توليد الكهرباء في محافظة عدن تبلغ 55 مليون دولار شهرياً في حدها الأدنى، لافتاً إلى أن الإنفاق اليومي لتشغيل وتوليد الكهرباء بوضعها الحالي في عدن لثمان ساعات يبلغ قرابة 1,8 مليون دولار، وتشمل 1,2 مليون دولار قيمة مشتقات نفطية مازوت وديزل بالإضافة إلى النفط الخام المخصص لتشغيل محطة بترومسيلة في عدن (والذي يقدر قيمته ما بين 400-600 ألف دولار يومياً.
 
التقرير الحكومي سرد حجم بقية الإنفاق الحكومي على بقية المحافظات، مشيرا إلى أن حضرموت تستهلك 500 ألف دولار يومياً قيمة الوقود لتشغيل المحطات بجانب توفير 675 ألف لتر ديزل بسعر مدعوم من إنتاج حقول نفط بترومسيلة.
 
توضح هذه الأرقام والتي تكشف عن النزر اليسير مما يحدث وراء الكواليس، عن عبثية الإدارة الرسمية في قطاع الكهرباء وعدم استخدامه بالشكل الأمثل نتيجة تهالك محطات التوليد، وعدم وجود صيانة دورية، بالإضافة إلى عدم اهتمام الحكومة بإنشاء محطات حديثة تستغني عن الوقود الذي يستنزف الخزينة العامة للدولة دون طائل.
 
وبالنظر إلى بقية المحافظات المحررة، نجد أن هناك انتقائية صريحة، في مسألة تقديم الخدمات العامة، من قبل الحكومة، لمصلحة محافظات معينة، وحرمان مناطق أخرى، خصوصا محافظتي تعز والحديدة، حيث بقت محرومتان من عملية الخدمات التي تقدمها الحكومة، فضلا عن حرمانهما أيضا من حصة المشتقات النفطية السعودية التي قدمتها المملكة منحة لتشغيل محطات الكهرباء في المحافظات المحررة.
 
 الخدمات المركزية التي تحصل عليها الحكومة من مختلف المحافظات ومنها محافظة مأرب التي ترفد الخزينة العامة للدولة، بعائدات النفط الخام طوال السنوات الماضية قبل توقف عملية التصدير، ظلت تبددها الحكومة بعشوائية وفساد على محطات الكهرباء المتهالكة في العاصمة المؤقتة عدن، دون أن يكون هناك رؤية استراتيجية لإيجاد بدائل تُغني عن هذه المحطات التي تحولت إلى ثقب أسود يستنزف إيرادات الدولة الشحيحة دون طائل.
 
استمرار الحكومة إدارة ملف الكهرباء على هذا النحو العبثي، والذي يصل إلى درجة الفساد المنظم، يٌلقي بتداعيات كارثية على المالية العامة للدولة، سيما مع شحة الموارد، حيث تنفق الحكومة اليمنية، نحو 1.2 مليار دولار سنوياً لشراء الوقود الخاص بتشغيل محطات توليد الكهرباء، ما يجعل فاتورة الإنفاق المتضخمة بمثابة هدر وتسرب مالي، بدون فوائد واقعية بالإمكان تحقيقها في ظل معاناة البلاد وحاجتها الماسة للموارد المالية لتغطية تكاليف الإنفاق على تحقيق الاستقرار النقدي وفاتورة الغذاء وبقية الاحتياجات الضرورية.
 
قطاع الكهرباء بات حالياً مع زيادة الاختلالات فيه، يُشكل بؤرة استنزاف للخزينة العامة للدولة، نتيجة تضخم فاتورة توفير وشراء الوقود لمحطات التوليد، الأمر الذي يتطلب رفع وتيرة الإصلاحات الخاصة في إجراءات الشراء وتعزيز آليات الرقابة على الإنفاق.
 
وعلى الرغم من الإعانات المباشرة وغير المباشرة الكبيرة التي حصلت عليها الحكومات المتعاقبة لليمن لإصلاح قطاع الكهرباء، إلا أن هذا القطاع لم يتمكن من توليد طاقة كهربائية بتكلفة ميسورة ويمكن الاعتماد عليها وبالقدرة الكافية اللازمة للحفاظ على النمو الاقتصادي، كما لم يتمكن من توسيع تغطية خدمات الكهرباء على نحو مستدام وتوصيلها إلى المناطق الريفية، نتيجة البيروقراطية وعقلية الفساد التي ظلت تعشعش في رؤوس المسؤولين اليمنيين.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر