محارب الخطوط ما بعد الخلفية


منذر فؤاد

 
 يذكر رئيس الأركان العراقي الأسبق نزار الخزرجي في مقابلة صحفية، أن الرئيس الراحل صدام حسين طلب منه أكثر من مرة زيارة الخطوط الأمامية خلال الحرب مع إيران، لكن الخزرجي كان يصحبه إلى الخطوط الخلفية ويوهمه أنها الخطوط الأمامية، حتى لا يكون سببا في مقتله.
 
وعندما دقت الولايات المتحدة طبول الحرب على العراق، رفض صدام مبادرة إماراتية تقضي بتنحيه ومغادرته العراق ليستقر في الخارج، مفضلا العيش مع مواطنيه في العراق تحت وابل النيران، على نعيم المنفى.
 
هناك طغاة كثر حكموا بلدانهم بالحديد والنار، وتنعموا بامتيازات السلطة لعقود من الزمن، لكن عندما حانت اللحظة المصيرية التي رسمت نهاية حكمهم، فضلوا البقاء في بلدانهم على الفرار إلى بلدان أخرى، أملا بعودتهم مجددا إلى سدة الحكم.
 
كان القذافي جبارا في الأرض، ومجرما مستبدا امتلك الكلمة الأولى في مصائر الليبيين لأربعة عقود، وعندما اندلعت الثورة ضده مطلع العام 2011، دفعه حبه للسلطة للبقاء والمقاومة حتى كانت نهايته التي أظهرت ضعفه على عكس ما كان يدعيه من بطولة وتحدي للمقاومة حتى آخر قطرة من دمه!
 
كان طاغية بحق، لكنه لم يفر في مواجهة من يراهم متمردين على سلطانه، بل قرر البقاء مسكونا بنشوة الانتصار والعودة مجددا إلى السيطرة على ليبيا، وقريبا منه فعل الطاغية مبارك، المخلوع المصري الذي تجنب مواجهة الشعب عسكريا، ولجأ لاستمالة عواطفهم في خطابه الذي عبر عن رغبته في أن يدفن على أرض مصر، لكنه عندما خلع من الحكم، فضّل البقاء في بلده على أن يغادر ويصبح مدينا لأنظمة يراها أقل شأنا منه.
 
ينظر الطاغية العربي إلى البلد الذي يحكمه على أنه قطعة أرض يمنع على الآخرين الاقتراب منها، وهذه النزعة هي المشترك الأبرز بين الأنظمة الملكية والأنظمة الجمهورية التي هي في جوهرها لا تختلف عن الملكية، وهذه النزعة التسلطية تفسّر جانبا من مواقف الطغاة الذين قرروا خوض المواجهة وعدم الاستسلام، أو التخلي كراهية مع رفض خيار المنفى، مع الأخذ بعين الاعتبار أن ما نسميه نزعة تسلطية يعتبره الطغاة دفاعا عن الوطن أو شيء من هذا القبيل.
 
كغيره من العسكريين، لا يختلف الرئيس اليمني عن نظرائه من الزعماء العسكريين في كونه يحظى بشرعية دولية، أصبحت القوة التي استمد منها طغاة كثر استمراريتهم في الحكم ولو على حساب إرادة الشعوب، لكن هادي يختلف عن نظرائه العرب في التعامل مع التمردات الداخلية، فهو لم يكتف بالتواطؤ مع التمرد الحوثي تماشيا مع من منحوه الشرعية الدولية، ولم يخض المعركة مع التمرد عندما انهارت سلطته حتى ولو كان في الخطوط الخلفية، بل انسحب إلى الخطوط ما بعد الخلفية وفضّل مغادرة البلد والتنعم بحياة المنفى.
 
يحق للمواطنين أن يتساءلوا عن سبب إحجام هادي عن العودة إلى اليمن والقتال فيها دفاعا عن سلطته على الأقل لا عن مؤسسات الدولة التي تخلى عنها طواعية وهو القادم من داخل منظومة حكم صالح التي يغلب عليها التشبث بالسلطة؟ كيف لمن عاش حياة العسكرية الطاغية وكان جزءا من هيكلها أن ينسل بهدوء لينعم بحياة هادئة في الرياض؟ إن طرح أسئلة من هذا النوع ربما لن يزعج هادي، لكنه بالتأكيد يزعج المحيطين به في الخارج، وأبواقه الذين يعيشون في الداخل بين الجحيم، ويرزحون تحت وطأة القصف والحصار، لكنهم يقدسونه كإله لا ينبغي التشكيك في حكمه وشرعيته، أو اتهامه بالخور والضعف، إنهم يصنعون من جبنه بطولة، ويمطرون أسماع العامة بإنجازات لرجل، إنجازه الوحيد الذي يفاخر به هو الخلاص من قبضة المتمردين وصولا إلى أراضي المملكة، وترك الميدان شاغرا.
 
لا يهتم الرئيس اليمني كثيرا بمسألة شرعيته في الحكم في الداخل اليمني، طالما أنه استمدها أساسا من الخارج، فهو يفضل الاحتفاظ بالشرعية الدولية وإن بقي رئيسا شكليا يعيش في منفى اختياري محاط بكل وسائل الراحة، على الاستناد إلى الشرعية الشعبية التي لم يعد يتمتع بها في الوقت الراهن بسبب لامبالاته تجاه يحدث، لكن مالم يدركه محارب الخطوط مابعد الخلفية، أن الشرعية الدولية التي منحت له بموجب اتفاق، ستسحب منه في وقت ما بموجب اتفاق أيضا، وسيجد نفسه حينها عاريا من أي رصيد شعبي يعيده إلى الواجهة من جديد.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

اعلان جانبي

فيديو


اختيار المحرر