العقدة السبئة (1)


نور ناجي

 يقول الله سبحانه وتعالى: "وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ". ويقول، في موضع آخر: "لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُۥ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ" ..
 
ورد ذكر سبأ في القران الكريم، كدولة مكتملة الأركان، في موضعين تقريباً؛ الموضع الأول- وهو على الارجح الأقدم تاريخياً- كان في وصف إنقياد حكام سبأ لدين "عرضهُ" سليمان عليه السلام. بينما سرد الموضع الثاني العقاب الذي نالهم نتاج "إعراض" لم يقصد به الإنقياد الطوعي للدين وحسب، بل تجاهل مزايا وهبات لم تمنح لغيرهم.
 
نتحدث عن زمن كانت فيه مصادر القوة، كالانهار والامطار، منحة طبيعية. بينما امتلك اليمني من العزيمة ما جعله يحتفظ بالذهب الشفاف خلف بناء كان هو من رسمه وانشأه.
 
في كلا الحالتين، احتفظت "سبأ" بدولتها، وإن اصابها الاهتزاز بعد سيل العرم، وهجرة الكثير من قبائلها خارج حدودها المعروفة.
 
ليس من السهل أن تثق بنفسك وقوتك مجدداً، بعد أن جردك منها فأر، أو وفرة غير متوقعة من المياه!..
 
وبرغم النجاة الاستثنائية لسبأ، مقارنة بأمم سابقة مُحي ذكرها، إلا أنهم قاموا بفعل لم تسبقه اليهم أمة من قبل. كانت الكارثة قد اجبرت "سبأ" على تغيير نشاطها الاقتصادي من الزراعة إلى التجارة، التي تطلبت تعدد الرحلات وأمان يرافقها، ليرفع أبناء السد المُحَطّم أيديهم بطلب، أبعد أن يدعو به تاجر أو مسافر: "فَقَالُوا رَبَّنَا باعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا"!..
 
يا للغرابة..!! هل استنكر أجداد هذه الارض ما آل إليه حالهم، لدرجة تهورهم بتحدٍ سافر يُظهر مدى قدرتهم على مضاعفته؟ أم ان التوجس من تكرار العذاب، نزع عنهم يقين رحمة ومغفرة، كان الله قد اسبغها عليهم فعلاً، ليطالبوا بتطهير متجدد؟!
 
في كلا الحالتين، كانت النتيجة واحدة.
 
من الصعب تحليل نفسية من عاصر تلك الحقبة، إلا أن المؤكد أن أهل سبأ لم يخرجوا من تجربتهم الأخيرة بروح سليمة!..
 
لازالت سبأ، ومن بعدها حمير، في شتات وحيرة تجمع نفسها قبل أن تتفرق مجدداً دون أن تترك عنها التزامها بالدين، حنيفاً، أو يهودياً، أو حتى من أبقى على إيمانه برب الشمس أو القمر!! لم تترك لها مواسم الجفاف وقتاً لتتخلى عن التضرع بالطريقة التي يبغيها أي من افرادها..
 
حتى قرر "ذو نواس" الإخلال بحرية التدين، التي كان معمولا بها، عندما أحرق مجموعة من النصارى الذين رفضوا التخلي عن دينهم والرجوع إلى اليهودية. ربما أعتقد بذلك أنه يحافظ على كيان دولته، إلا أن الدولة تفقد أسس استمراريتها حين تسلب أفرادها حرية الاعتقاد والفكر..
 
فقدت اليمن دولتها بعد تلك الحادثة، نتيجة غزو الأحباش القادمون لنجدة رعايا الدين الجديد، في الربع الأول من القرن السادس الميلادي. ليقرر "سيف بن ذي يزن" سنّ طريقة غير معمول بها، حين استنجد باغراب لتحرير أرضه. ورغم التزامه بالحنفية، لم يشفع أحد له استنجاده بوثني يعبد النار، مقارنة بما كانوا يعبدون، إلا أنه استمر في خيار وجوب طرد الغزاة لاستعادة حكمه، دون أن يضع نصب عينيه مطامع حليفه المرتقب، أو رفض مجتمعه المتدين لوثنيه ذلك الحليف!..
 
راهن الأمير على ذكاءه وأمجاد "دولة كانت"، معتقدا أن هزيمة الروم، الذين رفضوا مساندته، ستكون مكافأة مقنعة لمطامع فارس بأرضه، بينما أخذت قبائل اليمن تتابع حروبه دون تدخل، أو الثورة، ضد الاحباش الموحدين. لن يشاركوا في حرب دينية حتى وإن بقوا دون دولة!..
 
لم تكن اليمن بالبعد الذي أعتقده عن فارس، فخسر بن ذي يزن رهانه وحياته، بعد أن استبدل غازي بآخر يدرك تماماً أهمية موقع اليمن الجغرافية.
 
اتسم تاريخ اليمن، في الفترة التي حكمت عبر الفرس، بالغموض، عدى لمحات عن عنصرية فظة، لم يعتد عليها اليمني، واستخدمها ضده أبناء الفرس في تعاملاتهم مع اليمنيين، حتى ظهور الإسلام وتسلط الأضواء على ولادة دولته التي بدأت بالتمدد في شبه الجزيرة العربية.
 
لتعود أحلام اليمني وطموحاته بمداعبته مجدداً، خاصة وأن الأنصار لم يتخلوا عن يمنيتهم حتى بعد استقرارهم الطويل في المدينة. كما كان لالتزام نبيهم محمد، صلى الله عليه وسلم، ببنود تحالفاته، وعدم الإخلال بها حتى مع القبائل التي أبقت على دينها، يد طولى بالوثوق به.
 
ليبدأ اليمني رحلة جديدة، بين تمسكه بدينه، وأحلام دولته. وقد أعتقد أنه قد تعلم جيداً من تجاربه السابقة، إلا أن الوفود المتجهة إلى المدينة المنورة انقسمت على نفسها، فكيف كانت نتائج ذلك الانقسام؟ وكيف تعامل معه اليمني في ظل حذره الشديد من عقدته السبئية القديمة؟!..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر