المناضل الهارب


نور ناجي

لا يولد المرء خائناً، ولا يستيقظ ذات نهار ليقرر أن يكون كذلك. يعتمد الأمر على لحظة التنازل الأولى، فبرغم وقعها الثقيل إلا أن امتيازاتها بمذاق شهي، تقود صاحبها للمزيد والمزيد من التخلي حتى تغرقه في الوحل!..
 
اعلنت فرنسا في 10 مايو 1940 انضمامها وتحالفها مع المملكة المتحدة ضد ألمانيا بعد احتلال الأخيرة لبولندا وتقاسم اراضيها مع السوفييت. انتظرت فرنسا الهجوم النازي طويلاً، حتى شكت في حدوثه، ليباغتها هتلر وجيوشه بعد ثمانية أشهر.
 
احتارت الحكومة حينها في الطريقة التي يمكنها التعامل مع انكسار جيشها وهزائمه المتوالية، خاصة مع عدم قدرتها دعمه، وقد انتشر جنودها في المستعمرات، فاختارت التنازل، وطلبت الهدنة مع ألمانيا، بعد أن عينت المارشال "هنري فيليب بيتان" أحد ابطال الحرب العالمية الأولى رئيساً للوزراء. 
لا بأس، لعلها تكون آخر التنازلات في سبيل الوطن.
 
طلب "بيتان" من جنوده وضع السلاح والاستسلام للمحتل، وأخذ يطمئن شعبه إلى الهدنة التي وضعت ثلثي فرنسا تحت ادارة المانيا. لم يشعر الشعب الفرنسي بالصفعة منفرداً، مازال العالم ينصت للاذاعة وقد أصابه الإضطراب بعد أن مثل سقوط باريس الإنذار الأخير لفرض واقع عالمي جديد، ليس من السهولة التخلص منه. 
 
استسلمت حكومة "بيتان" لذلك الواقع، واخذت تبحث عن وجوه وطنية تمنح "عمالتها" بعض الشرعية، ليقبل البعض ويرفض الكثيرون. وكان على رأس الرافضين العقيد "شارل ديغول" قائد أحدى سرايا المدفعية، والأسير القديم في معتقلات ألمانيا.
 
لم يجهد الرجل نفسه بالبحث عن اعذار لرفض حقيبة سياسية أو منصباً عالياً، لا تحتاج الشعوب في الأوقات الرمادية إلى رجال سياسة بقدر حاجتها لمناضلين. ادرك ديغول ذلك وهرب خارج فرنسا، بعد أن وجد في البقاء فراراً حقيقياً وتنصلاً من واجباته تجاه بلده.
 
لا ينبغي جمع الهاربين في سلة واحدة، البعض يتخلى مؤقتاً، إعداداً لمعركتة المصيرية..
 
لم يطل المقام بـ"شارل ديغول" حتى شكل ورفاقه "حكومة في المنفى"، اعترفت بها دول التحالف واعلنت تأييدها لها. مازال الجميع يؤكد رفضه للنازية وهيمنة هتلر. أهداف تأملها "ديغول" مطولاً، ودقق في أصغر تفاصيلها!.
 
"لا أسهل على حكومات العالم من تضييق أهدافها أو توسيعها، وفق ما يناسب تلك النوايا، مما قد يحولها- بطرفة عين- من حليف إلى عدو لدود!"، وضع شارل ذلك في حسبانه رغم الحروف المطمئنة التي أخذ التحالف يلقيها. 
 
كان ديغول حريصاً على عدم إسقاط فرنسا في مصيدة تحالف جديد، كما فعل "بيتان"، ولم يمنعه احتلال أرضه أو اقامته في بريطانيا من املاء شروطه على رئيس وزرائها "تشرشل"، والتي كان أهمها: اعتبار كافة الدعم المقدم لحكومته وللمقاومة الفرنسية، "مديونية" سيتم سدادها لاحقاً.
 
ليس من السهل وضع سيادة فرنسا، وحرية اتخاذ قرارتها، رهناً للتنازل أو البيع..
 
"أنا اتحرك باسم فرنسا، وأناضل باسم فرنسا كلها، أقاوم النازية، الى جانب انجلترا، ولكن ليس لصالح انجلترا، أتحدث باسم فرنسا ولست مسؤولاً أمام أحد غيرها". مازال ديجول يخوض معاركه السيادية أمام تدخلات تشرشل، بينما أخذت حكومة بيتان تعقد صفقاتها المشبوهة مع الألمان، والتي دفع فيها الشعب الفرنسي تكاليف احتلاله وفق شروط الهدنة المذلة!..
 
لم يهتم الألمان برائحة فسادهم، أو انهيار العملة الفرنسية وأرتفاع الأسعار، حتى نام الفرنسيين ببطون خاوية! يدرك المحتل قبل غيره أنه زائل لا محالة، فلا ضير من تحوله لمراهن طماع ما استطاع، لا يعني ذلك جهل المنتفع، من أصحاب الأرض، لتلك الحقيقة، يعلم ذلك حق العلم؛ لكن الخروج من وحل الخيانة والعمالة أكثر مشقة من التشبث بفرصة نجاة مؤقتة.
 
ادرك الشعب الفرنسي، مع مرور الوقت، اختلاف أولوياته- كشعب- عن اولويات التحالف، فلم يمثل فرض ألمانيا لنظام العمل الإجباري على الشباب الفرنسي، وما تبعه من نقص في الايدي العاملة، ذات الأهمية بالنسبة لدول التحالف. دولة كالولايات المتحدة الأمريكية كانت ستشعر بالارتياح لتوقف عجلة الاقتصاد الفرنسي، كما بدى ذلك بعد الحرب.
 
يبدو أن أشرس المعارك التي خاضها شارل ديغول، كانت في سبيل احتفاظه بسيادة فرنسا أمام حلفائه.
 
لعل أصعب ما يواجه المناضل بطء حركة شعبه، فلا يعد طرد المحتل أولوية مقابل العيش، حتى تتغير المعطيات وتصب السلبية القديمة في مصلحة الشعب. تحتاج أي مقاومة إلى النضج والوعي لقيمة التضحيات التي ستدفعها والمخاطر التي ستخوضها قبل حمل السلاح، وكلما شعر الشعب بفدائية قادته تعجل انضاج افراده.
 
اقتصرت المقاومة الفرنسية، في ايامها الأولى، على طباعة المنشورات السرية واقامة الاذاعات المساعدة لقوات التحالف، قبل أن يستفز الشعب بسبب نشر صور نساء فرنسيات أجبرن على كسب المال من مرافقة الألمان، لتبدأ العمليات القتالية ضد الجيش المحتل. مقاومة لم تغفل حكومة المنفى عن دعمها بكل ما تملك، مازالت العبارات التي رددها شارل ديغول بعد هروبه تثير الحماس: "أيها الفرنسيون لقد خسرنا معركة، ولكننا لم نخسر الحرب، وسوف نناضل حتى نحرر بلدنا الحبيب من نير الاحتلال الجاثم على صدره"..
 
ضمت المقاومة في صفوفها الرجال والنساء، من كافة طبقات المجتمع، ولم ترفض أو تستثني أي فئة، سواء كانوا يهودا، أم ليبراليين، ام شيوعيين، حتى أن صفوفها ضمت رهبانا من كنائس متعددة. 
 
لا تؤدي المقاومة السرية إلى اضرار كبيرة من الناحية المادية، إلا أن مجرد وجود شبح لها يجبر المحتل والموالين له على استشعار الخوف والتوحش. ولم يقتصر عقاب الألمان وحكومة "بيتان" على الشعب الذي استمر في الانضمام للمقاومة، بل أمتد لشارل ديغول "المتهم بالخيانة" وصدر ضده حكما بالاعدام.
 
ولم تمض السنوات الأربع حتى سارت المعارك الخارجية والمقاومة الداخلية وفق ما أراد شارل ديغول، وتحررت فرنسا لتحتضن مناضلها الأول، وترفع أعلام النصر على برج ايڤل. 
 
يجدر بالذكر أن ذات الحكم الذي صدر على ديغول بالإعدام، صدر على "بيتان"، إلا أنه لم يُنفذ بسبب كبر سنه. لا يلبث ميزان العدل أن يستقيم.
 
على الأغلب أن الفرنسيين كانوا سيأخذون وقتا أطول دون مساندة خارجية، أو حال تنازل ديغول لاطماع دول التحالف، إلا أن ذلك لم يكن ليحول بين شعب أراد النصر، فالمقاومة حق انساني لا يستطيع أحد انكاره، وسيحين وقته شاء المحتل أم ابى!..
 
لا تموت الأوطان، أو تستسلم، حتى تضعف  ويتنازل بعض ابنائها. وضع لا يبقى طويلاً، فالحياة متغيرة، دائمة الحركة، لا تلبث تلك الاوطان على لفظ وهنها عنها وتجد من يقدرها ويقاوم لأجلها، حتى تتجاوز كلفة العدو مكاسب كان يجنيها من فرض سيطرته واحتلاله.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر