الأنظمة ليست وحدها مصدر القمع


وسيم القرشي

مع الاتفاق على أن نزعة الاستبداد والقمع والقهر شر محض ودمار للحياة، إلا أننا نغفل، في أحيانٍ كثيرة، عن أن هذه الشرور لا تصدر عن الحكام والممسكين بزمام القوة فقط، بل إنها تأتي وبصورة أكثر بشاعة من نخب وتكتلات وكيانات.

وينتج تغافل النخب والمنظّرين لاستبداد التكتلات والكيانات الشعبية من اعتقادهم أن خطر نزعة الاستبداد والقهر يأتي من ارتباطه بامتلاك القوة التي تحيل تلك النزعة إلى فعل قاتل، إلا أن الحقيقة إن هذه النزعات الدفينة والمرتبطة بالتفكير والسلوك لدى تيارات شعبية منظمة، أو غير منظمة، قد تكون خطورته أكبر، إذ ينتج عنه ما يمكن تسميته "العنف المنفلت" الذي قد لا تتأخر نتائجه كثيراً، إذ سرعان ما يتحول إلى فعل بمجرد امتلاك أصحابه أدوات القوة والقدرة على إلحاق الأذى بمن يعتقدون أنه الخصم الذي تجب إزالته.


وبقدر ما شكلت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للتعبير عن الآراء، وأتاحت للجميع فرصة التعبير عن وجهات النظر المختلفة، خصوصا أنها جاءت بعد عقود من الكبت الذي كان سائداً في المنطقة العربية، إلا أنها، في الوقت ذاته، كشفت عن مدى عدم إدراك المجتمع المحاط بأسوار هائلة من المقدّسات والممنوعات بتصنيفاتها المختلفة (دينية، اجتماعية، سياسية، وثقافية) للحق في الاختلاف والتباين مهما بدا صادماً.

وفي هذا السياق، يمكن استعراض الحملة التي يظهر من شكلها ومبرّراتها أنها مقصودة وممنهجة ضد "التلفزيون العربي". وجهات نظر أثيرت بشأن قرار الحكومة التركية إعادة "آيا صوفيا" مسجدا، بعد أن مر بأطوار عدة، آخرها بقاؤه نحو قرن متحفاً.. وتبعاً لعواطفنا الدينية، احتفى بالقرار ملايين المسلمين في العالم، ولم نستطع أن نتقبل أن نسمع رأياً مختلفاً من أطراف وشخصيات مختلفة. وبالتأكيد كل رأي يصدر عن صاحبه حسب الزاوية التي يقف فيها، والمنطلقات التي يبني حكمه عليها.


من غير المقبول أن يدفعنا صدور رأي أو موقف مخالف عن شخصٍ، يشاركنا الهم نفسه والمنطلقات نفسها في معظم القضايا الكبرى، إلى اتهام صاحبه، أو التشكيك في ولائه لهذه الأمة. والأدهى والأمر تجيير رأيٍ خاص لشخص للنيْل من مؤسسةٍ عمل فيها متعاونا فترة، والنيْل من شخصية نضالية عربية بحجم المفكر العربي عزمي بشارة، وهو الذي أمضى عمره في النضال من أجل كبح رغبة الأنظمة الاستبدادية في قمع الناس، ومن أجل تمكين أصحاب الرأي المختلف من التعبير عن اختلافهم، من دون أن يسبّب لهم ذلك خطراً على حياتهم أو معيشتهم، وفي مقدمتهم الذين يتبنّون الحملة الموجهة ضده.


في مجتمعاتٍ تربّت على ثقافة اللون الواحد والخطاب الواحد، فإن الرأي المختلف، في نظر بعضهم، يوجب تحويل مصدره إلى هدف لهجوم جماعي، وإن لم يكن هذا الرأي المختلف قد صدر عن هذا الشخص أو هذه الجهة فيجب تجيير موقف أي شخصٍ آخر له علاقة بهذا الهدف، وهي الحالة التي تنطبق على استهداف عزمي بشارة و"التلفزيون العربي" الذي يعد منبراً مائزاً للتعبير عن تطلعات الشعوب وحقها في الاختلاف، بسبب رأي صدر عن كاتب كانت له صلة عمل بهما. والأشد غرابة أن تأتي حملة التخوين والتشكيك وأمواج العنف اللفظي من أشخاص في تيار كان ولا يزال عرضة للقمع والقهر والتنكيل من أنظمةٍ ترى أنه خطر تجب إزالته بالقوة، ومن أشخاصٍ ذاقوا مرارة القمع والحصار المر للاستبداد، ولا يزالون يقاسون ويلات ذلك في كل تفاصيل حياتهم اليومية، فليس أشدّ مرارةً من أن تشرد من بلدك، بسبب ضيق تيارات وأشخاص بصاحب الرأي المختلف، وانعكاس ذلك في ممارسة القهر الذي تصبح أنت "المختلف" هدفاً له، وضحية لجنون الممسكين بالقوة.


كونك لا تمتلك أدوات القهر والقوة لا يجعلك أفضل أو حتى أقل سوءًا من نظامٍ امتلك وسائل القوة وسلطها على رقاب خصومه، فامتلاكك اليوم مساحة للتعبير عن رأيك على منصات التواصل الاجتماعي جعلك تعبر عن رغبتك العارمة في إلغاء الآخر، وربما وصل الأمر إلى حد الرغبة في أن تفتح عينيك صباحاً، ولا ترى في الحياة إلا أشباهك، أو من يتفقون معك في الفكرة والرؤية، فالفرق بينك وبين "الديكتاتور القاتل" أنه أمسك بزمام القوة وسلّطها على خصومه ليمحيهم من الوجود.

وكونك تكشف عن النزعة نفسها من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، فذلك يعطي مؤشراً إلى أنك، في حال امتلاكك القوة، لن تتوانى عن استخدام القوة لإزالة مخالفيك.


وبقراءة عابرة وسريعة لمعارك تشهدها منصات التواصل الاجتماعي بشكل شبه يومي، وما يصاحبها من عنفٍ لفظي، وما تفصح عنه هذه المعارك من رغبة دفينة في إلغاء الآخر، نجد النخب اليوم بحاجةٍ إلى صياغة وعي جديد يتجاوز التخندقات، ويشجّع على تقبل الآخر والتعاطي مع أفكاره، مهما بدا مختلفاً وصادماً، فما يجعله، في نظرنا، بهذه البشاعة، ليس مضمونه، وإنما الرواسب التي تحملها عقولنا، والوعي الأحادي الذي يجعلنا نعيش بشعور أن الحياة لا تتسع لأكثر من لون، وأن الحقيقة المطلقة لا يمتلكها أحد.


هنا التحدّي أمام المؤسسات الإعلامية، ومراكز التنوير لإدارة حوارات ونقاشات بهدف صياغة وعي جديد يخرجنا من مأزق "آنا أو الآخر" إلى ساحة "أنا والآخر". وهذا يحتاج إلى جهد كبير ومتواصل، لتجنيب الجيل القادم الفخ الذي فخخ مجتمعاتنا العربية بالصراعات، وأعاق قدرتنا على التعايش والتكامل.


نقلا عن العربي الجديد

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر