وطن خارج حدود الوطن


وسيم القرشي

  لم يعد من السهل الحصول على وقت محايد أقضيه بصفاء أو راحة بال دون أن تنغصه الالتزامات المفروضة عليَّ، خاصة بعد أن التصق شريط الأخبار على أجفاني. فكلما فكرت في اغماضها وسرقة القليل من ساعات النوم، تمر أمامي كقدر محتوم.
 
 لم أكن أتوقع أن الوضع سيختلف خلال رحلتي القصيرة إلى ماليزيا. لذلك غلبت تجهيزات العمل في حقيبتي بينما كنت أعدها للسفر. فشاءت الأقدار أن تخالف هذه الرحلة توقعاتي وألتقي بهم مصادفة !!..

مجموعة من شباب اليمن، الذين جمعتهم سنوات غربة دراسية، ولون أسمر تنبعث منه رائحة الوطن. لا تنتبه لمدى تقارب ملامح اليمنيين، حتى ترى سهولة تمييزهم ما أن تقابلهم خارج الحدود. فأنت في حقيقة الأمر تلتقط الى حد مذهل ملامحك فيهم ..

كنت أتمعن في كل مرآة أصادفها لأتأكد ما إذا كان مظهري يبدو ذلك الكهل الذي بلغ من العمر عتيا، نتيجة الأدب الرفيع والمعاملة اللطيفة المهذبة والحفاوة التي استقبلوني بها. ليس ذلك وحسب، بل لاحظت في الايام القليلة لمرافقتي لهم عدم سماحهم بسقوط حرف من كلماتي ارضاً. يجتهدون في جمعها وحفظها، ويسألون باهتمام شديد، بحثا عن خبرة قد تفيدهم في غربتهم، ومشوار حياتهم الذي يستعدون له جيداً..
 
‏لم يكن الاجتهاد الدراسي هو ما شد انتباهي لكل من: عيدروس، وياسر، وعقيل، ومعاذ، وأيمن، وأمين، وشعيب، بل الحالة التي صنعوها، بصداقة حقيقية مترابطة، أثارت فيَّ العديد من المشاعر. فلم أكن أتوقع، في أفضل حالاتي، رؤية مثل تلك الروابط، في ظل حرب في اليمن بين الأشقاء، امتدت مخالبها إلى ابنائها في الخارج..

‏لم تكن الأناقة هي الصفة الوحيدة التي يمكنك إطلاقها على "عيدروس" ابن يافع، وإن كان يستحقها. فهوسه بالنظافة والتفاصيل الذوقية تبرز أمام كل صفاته الأخرى. لن تجد كل يوم من يبحث عن طريقة يتأكد فيها من نقاء مياه شلال قبل نزوله، أو أي من رفاقه، إليه، في يوم نزهة لطيف غير "عيدو" كما يُطلق عليه. كن مطمئنا، وأنت في رحلة معه، من توفر طعام شهي وبيئة نظيفة وخدمة يقدمها بكل حب لأصدقائه بمواصفات تلائم مقاييسه شديدة الرقي ..
 
‏من الصعب على "ياسر"، بجسده الرفيع وروحه المحبة للمرح وضحكته الصاخبة، ترك أحد يعرفه- أو صادفه- في وضع عوز، دون أن يحاول مساعدته، حتى وإن أدّى به الأمر إلى إفراغ جيوبه، أو حتى بيع ما يملك. فقط لا تجعلوا الحياة بائسة حوله.
 
من الصعوبة إثارة "ياسر" واستفزازه، بقلبه الذي يتسع محبة للجميع؛ لكنه لا يمقت شيئاً أكثر من التشاؤم والنظرة السوداوية للحياة. وهذا ما جعله يثور غاضبا، وهو يبتعد من أحد اصدقائه كثيري الشكوى والتباكي صارخاً بلهجة عدنية ساخرة: "يا أخي خلي لي حالي، أنا لو التقي بك في جهنم باشل حطبي واروح أحرق لي بمكان تاني بعيد عنك"..
 
‏أغمض "أمين"، صاحب القلب المحب وابن المحويت، عينيه، وسد أذنيه بكفيه في اللحظة التي صدحت بها أم كلثوم من مسجل السيارة، قائلا: "اشتي اسمع حسين محب، حمود السمة، على الأقل هاتوا لي صلاح الاخفش"، قبل أن يرفع يديه إلى السماء داعياً: "يا ربي ما الذنب الذي اقترفته لأنال هذا العقاب؟!". يرى "أمين" أن هناك مؤامرة كونية تحاك ضده من أجل إجباره على سماع أم كلثوم أو حليم أو غيرهم من الفنانين الكلاسيكيين. يقول إن طموحاته لا تتعدى صلاح الاخفش، فهل في مطالبه مبالغة؟!.. وعندما أرسلت له رابط أغنية لأم كلثوم، هددني- مازحا- بحظري في الواتس..
 
‏في لحظة ممتعة مليئة بالمرح الذي رافق نزهتنا؛ تناهى الى مسامعي نقاش حاد يدور بين الشباب، فهل وصلتهم آثار الحرب، أم أن العداوات، التي صارت حكرا على أبناء اليمن، دينٌ علينا، ويجب على الكل دفع ثمنها؟ لاكتشف أن البامية والجزر هما من تسببا في تلك المشادة، التي نشبت بين ياسر من جهة، وعيدروس وعقيل من جهة أخرى، لتنتهي برفع الأخيرين يديهما بعلامة النصر، متباهيين بصواب رأيهما الذي انتصر في النهاية: فليس من الضروري إضافة الجزر او البامية في "الطبيخ" ابدا. وفي نهاية احتفاله بانتصاره على ياسر، يختتم عقيل- ابن حجة المقيم في صنعاء- والذي يدللك باختيار ألفاظه (على شاكلة: انا أفدي روحك)، بجملته المعهودة "أي دونت كير".
 
‏لو أن حلول مشاكلنا كانت بالسهولة التي ينظر إليها هؤلاء الشباب المرحون، لكنا في حال أفضل. أيّ كانت تلك المشاكل..!
‏ 
‏مازال "معاذ" يدهشني بتفوقه التكنولوجي وشغفه بكل ما هو جديد في هذا المضمار. حتى أن زملائه لم يخفوا ثقتهم بأن العلاقة العاطفية الوحيدة التي سيخوضها في حياته، سيكون جهازه المحمول الطرف الآخر فيها. لم أكن أخشى من غضب معاذ السريع، الذي سينفعل بلهجة أهل إب على رفقاء النزهة. فكما يثور سريعا، يعود للابتسام سريعا، دون أن يتذكر الأسباب التي دفعته لتلك الانفعالات. إلا أني كنت حذرا لدرجة إبعاده عن إيميلي وهاتفي قدر ما أمكنني، خاصة بعد أن علمت بتهكيره حساب والده بما يحويه من محادثات بريئة، لا ترقى لكونها مغامرات، إلا أنها كانت كافية لابتزاز مَرِح لوالده ليرفع مخصصاته المالية.

يراقب شعيب، القادم من جيبوتي، المشواة باعين حذرة، رغم النكات التي يقوم بتوزيعها علينا. لا يشعر أحد منّا بأنه غريب عن اليمن، فهو من الجيل الثالث تقريبا لأسرة يمنية استوطنت جيبوتي، ورغم السنوات التي تفصله عنها في جيبوتي، تبقى اليمن ظاهرة في شخصيته وحديثه وسلوكه المشاكس الظريف..
 
‏لم أحاول التخفيف من قلق أيمن على رفاقه، وعلى أن يكون كل شيء على ما يرام. فمن المسلّي مراقبته، وقد أتخذ دور المستشار والموجه لهذا أو ذاك. ستجده يحاسب هذا عن تبذيره، وينصح ذاك بمواضيع الدراسة؛ سيرافق ياسر في رحلة علاجية الى دولة أخرى، ويوبخ معاذ لأنه طيّب، سهلٌ خداعه، عندما قرر العمل في أوقات فراغه. المسلي بالطبع، أنه وهم، في أعمار متقاربة لا تختلف كثيرا..

اختلطت رائحة الطعام الطيب في المكان، مع روح المحبة والصداقة. الجميع مبتسم وسعيد، وثمة نقاشات جادة حول الطريقة التي يجب أن يتبعوها لدراسة الماجستير دون أن يتفرقوا. وأنا أتابع ما يدور حولي بابتسامة عريضة كانت تعبر عن استمتاعي بالوقت الذي اقضيه معهم..
 
 لكن جزء منها كان يخفي حسرة سكنتني رغماً عني، فقد كنت أرى ما الذي استطاع أولئك الشباب إنجازه برغم حداثة أعمارهم وعجزنا عنه، حين ألقوا باختلاف مناطقهم ومذاهبهم أو ميولهم السياسية- إن وجدت- خلف ظهورهم، وصنعوا من صداقتهم رابطا قويا تمسكوا به كوطن خارج حدود الوطن..

قد يرى البعض أننا مختلفين بألوان ومشارب، مايفرقها أكثر مما يجمعها. إلا أننا في حقيقة الأمر نسيج لثوب واحد، تمَيُّز ألوانه واختلافها يزيده جمالاً وألقاً. كما كان تنوع الجغرافيا والثقافات في اليمن يعكس حضارة تركت أثرها، ولم تكن في يوم سببا لحرب أو اقتتال..
 
‏لعل الشباب القادم، في مفارقة عجيبة، سيكونون هم القدوة لجيل سبقهم استنزف نفسه في البحث عن ما يفصله عن الآخر ويصنع منه عدوا، دون أن ينظر لكل الجمال الذي يجمعه أو يتفهم نعمة اختلافه..

اصدقائي الرائعون.. شكرًا لكم ..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر