نساء من القرآن.. (1) "أمّ موسى"


نور ناجي

 قد أُتهم بالإنحياز، إلا أني لا أبالغ حين أقول بأن الأفلام والقصص ذات الطابع الذكوري البحت تبعث على التوتر ولا تشعرك بالارتياح، ومهما بالغ النقاد في مدحها يبقى في أحداثها شيء ناقص يجبر المرأة على استعجال الوقت لتنتهي من الفوضى المعروضة أمامها..
 
ربما لا ينطبق الحال على قصص القرآن، إلا أن وجود المرأة في أي منها يضفي عليها بريقاً خاصاً.. نكهة غنية تُدعى "المشاعر" التي قد تقابل أحياناً بنوع من اللامبالاة!..
 
لم تأخذ والدة سيدنا موسى حيزاً كبيراً من الآيات القرآنية.. أربع اشارات كانت كافية، لنعيش أصعب مراحل حياتها..
 
كانت "أم موسى"، على الأغلب، في أشهرها الأخيرة حين وصلها قرار فرعون بذبح أطفال بني إسرائيل، لم تكن لتجهض جنينها، وتستبدل قاتل بآخر، فاختارت الاستسلام، ولا تدرون كم يكون الاستسلام شاقاً حين يضطر المرء لأختياره..!
 
لا بدّ وأن آلام المرأة الأم كانت أعسر مما نتصور، ففي حال كتمت صرخات مخاضها كيف لها أن تكتم صرخات وليد يتأهب الحُرّاس للعثور عليه وذبحه؟! في أحسن الأحوال سينهي أحدهم جريمته بعيدا عن بصرها، إن حمل قلبه بعض من رحمة، إلا أن المرأة تجاوزت اختبارها الأول وأنجبت موسى دون أن يشعر جنود فرعون.
 
على الأغلب، أن المرأة تصاب بحالة غريبة من الشجن الحزين أثناء وبعد الولادة، حتى إن لم تكن أمام اختبار إلهي، فكيف بإمرأة تنظر الى وليدها المهدد من قبل سلطات فرعون؟! وجع كبير، لا بد وأنها استحقت لاجله طمأنينة إلهية عبر وحي اختصها الله به، والسيدة مريم لاحقاً حين شاركتها ظرف مشابه..
 
"وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ"- تحظى اللحظات الأولى لإرضاع الطفل بمذاق خاص، لا شيء يماثله حتى تتكرر في ولادة أخرى. من لا يمر بهذه التجربة قد يعتبرها مجرد مبالغة أو مشاعر أنثوية لا يعول عليها، إلا أن الأمهات يشعرنّ فعلياً في تلك اللحظة بتوقف العالم وتجلّي الله لهنّ. ورغم حساسية وضع سيدنا موسى والأخطار المحيطة به، لم يحرم الله والدته من لحظتها الخاصة بطلبه منها إرضاع الصغير، فقد كانت بحاجة لبعض السكينة قبل أن يلقي عليها بالأمر الذي لم تكن لتتوقعه!..
 
"فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ!"- تلقي ابنها في اليم!!. يمكنني الجزم بأن الأمومة هي أقوى المشاعر البشرية وأكثرها صدقاً. مشاعر لا يمكن احتواءها.. حين لا تجد المرأة لها اطفالا، لن تبخل بعطاءها لغريب، لا تربطها به صلة رحم، ارضاءاً لها في المقام الأول، فكيف يُطلب من امرأة- وإن لم تكن نفساء- أن تلقي بفلذة كبدها؟! واين؟!: في اليم؟!، كيف للمياه الجارية أن تكون خيارا مطروحاً لأم؟!..
 
أعترف بأني مازال أشعر بالجزع، كلما مررت بالآية، حتى أكاد اصرخ في أم موسى: احملي رضيعك يا امرأة، لن يكلفك الله بأكثر مما يحتمل قلبك.. اهربي واجعلي من أي واحة صحراوية مستقرا وارضاً للاستغفار، على أن تلقي ابنك للمجهول.. يدرك الله مدى ضعفك ويعلم حدود قدرتك، فلا تخلعي قلبك وسارعي بالفرار!..
 
 ما أزال الهث، وأمسك على قلبي، حتى تكمل الآية نفسها: "وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ!"..
 
"إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ"، إيمان هائل هو ما جعل ام موسى تستكين لعبارة بذلك الإيجاز؛ ربما لم تطفىء الخوف والحزن في روحها، إلا أن مقايضتها بنهاية سعيدة، أمدّها بيقين يكفيها بعض الوقت. فربما تضعف وتلين لصوت قد يهمس فيها ويدعوها للتريث: لعل ما اعتبرته وحيا ليس سوى هلوسات، فرضتها الظروف الصعبة المحيطة بك!..
 
ضمّت أم موسى ابنها للحظات، قبل أن تضعه جانباً وتباشر مهمتها على عجل.. أراها تبحث في زوايا كوخها الصغير عما يساعدها. على أكثر تقدير لن تجد سوى سلة قديمة مصنوعة من القَش!، ربما سكبت عليها بعض الماء لتجربتها واصلاح ما بها من عيوب قبل أن تتجاهل قطرات الماء وهي تنز منها وتتكل على يقينها ووعد الله لها!..
 
ترى ما الذي كانت تقوله لنفسها لحظة اختفاء ابنها في اليم؟!..
 
ربما جاع الآن؟! لن يقوى على رياح المساء الباردة!! امازالت الأغطية تمنحه الدفئ، أم انزاحت عنه؟! انشغلت أم موسى بكثير من التفاصيل حتى تهرب من هاجسها الحقيقي: هل كان النهر رحيماً برضيعي أم اختار القسوة؟! مازالت "أم موسى" واقفة على ظلها، قبل أن يخلو قلبها فجأة!!..
 
للحزن درجات، يرى البعض أن "الكمد والبث" أعلاها مرتبة، إلا أن القرآن أشار إلى نوع آخر لا يقل قسوة: يحدث أن يفرغ القلب، تبحث على سطح التجويف المستحدث فيك، فلا تجد للصدى فيه مكاناً، تنشد الصراخ خلاله بأوجاعك، لعلها تملؤه دون جدوى، لطف إلهي فقط هو ما يشفي هذا النوع من الأحزان، يقول تعالى: "وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ"..
 
سارت أحداث القصة كما أراد لها الله أن تكون.. يقول تعالى، مخاطباً رسوله (موسى) ومذكرا إياه بمحطات لم يكن لينجو منها: "وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي * إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ"..
 
ربما يتوجب على الأنبياء والرسل، والصالحين بالمثل، المرور بتجارب قاسية تسبق استحقاقهم للهداية، قد تمتد بعضها لتخص من حولهم، وسواء انتهت بالسلب أم الإيجاب، مازالت تصب في صالح رحلته الروحية..
 
 وقد نجحت "أم موسى" في موضع لا أعتقد أن "أمّ" عادية كانت لتجتازه، لتنال بذلك عناية إلهية بالغة في التميز: "فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ"..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر