المتنبي، والرحلة الخائبة


نور ناجي

نمتهن الكلام منذ لحظة قدرتنا على النطق، تعطينا الأيام خبرة تهذيبه أو تركه على عواهله حتى يتحول إلى مهنة أو ورطة،  تؤرجح صاحبها بين ما يطمح وما هو متاح..
 
لم تكن موهبة "المتنبي" منفردة من وضعته ضمن كفة الشعراء الأكثر علواً في تاريخ الشعر العربي، فقد سانده على ذلك طموح رافقه طيلة أيام رحلته..
 
ستصاب بالحيرة بلا شك وأنت تقراء سيرته. فتارة تجده فخوراً معتداً بنفسه، وتارة أخرى تجاهد كي لا تصاب بعدوى يأسه عن تغيير قدره. مازالت أنصاف أبياته تثير دهشتك لمدى حكمة بلغها، قبل أن تتفاجأ بعنصرية بعض قصائده، وإن لم تفقد بلاغتها..
 
ولد المتنبي "احمد بن الحسين الجعفي"، ذو الأصول المذحجية في الكوفة بعد إستقرار عائلته فيها. لم تكن طفولته سهلة فقد تذوق اليتم مبكراً بعد فقدان والدته، كما لم يكن عمل والده في سقاية الماء مجزياً لملئ البطون، إلا أن الفتى لم يستسلم ورفض بداياته بكل بساطة، وعوض مشقتها بشراهة للعلم فاق بها أقرانه.
 
اتسم عصر نشأة المتنبي بالاضطرابات السياسية والحركات المناهضة للدولة العباسية، وكان لذلك أثراً عكسياً على الحركة الأدبية والثقافية التي ازدهرت، فقد كان الشعراء "إعلام ذلك العصر"، لسان الحاكم للعامة والصلة التي تربطه بهم. أخذ المتنبي يتنقل بين بغداد والكوفة في خضم ذلك الجو المشحون، ملقياً أبيات شعره دون أن يخفي أراءه السياسية التي لم تناسب الجميع، فتم إيداعه السجن بتهم عديدة أشهرها ادعائه النبوة.
 
مثل تلك التهم تجعلك تشك في حدوثها، فقد كان الكفر والزندقة- وما زال- تهمة كل العصور، والخطيئة المعدّة لكل معارض، فكيف لا تلاحق صاحب هذه الأبيات:
 
لَقَد تَصَبَّرتُ حَتّى لاتَ مُصطَبَرٍ،
فَالآنَ أُقحِمُ حَتّى لاتَ مُقتَحَمِ.
لَأَترُكَنَّ وُجوهَ الخَيلِ ساهِمَةً،
وَالحَربُ أَقوَمُ مِن ساقٍ عَلى قَدَمِ.
 
من الصعب على رجل ممتلىء بنفسه مدح من لا يستحق، لكن ليال سجن المتنبي جعلته يدرك بأن الكلمات المقيدة لم تكن ذات نفع، إلا من فك قيده، فاضطر لتوسل سجانه الأخشيدي ولؤلؤ أمير حلب:
 
‏رَمَى حَلَباً بِنَواصِي الخُيُولِ،
وسُمْرٍ يُرِقْنَ دَماً في الصّعيدِ.
وبِيضٍ مُسافِرَةٍ ما يُقِمْــنَ،
لا في الرّقابِ ولا في الغُمُودِ.
 
شخص آخر كان سيخرج ناقماً على موهبته، وسيقنع بترك الشعر والقوافي، لكن المتنبي عاد  لتشرده بين المدن حاملاً معه قلقه الدائم وحرفه الطيع. على الأغلب أن السجن لم يغادر شاعرنا ومازال يبحث عن سبيل لإطلاقه ربما عبر سند قوي أو مركز مرموق قبل أن يعثر على "المأمون"..
 
ألتفت التاريخ نحو قصر الخليفة الضعيف حين أمست قصائد المتنبي ضيفة مقيمة فيها. لا بأس من المدح إن كان سيقوده إلى ما يصبو اليه. لعل المتنبي برر ذلك للأيام التي مرت دون أن ينال مبتغاه. فمازالت أبياته تنبىء عن إخلاص لا لبس فيه. هل استكفى الشاعر بالطمأنينة التي شعر بها في بلاط المأمون، أم أنه بلغ من الخبرة والحرفية ما جعلنا نجزم بصدق مشاعره:
 
لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ،
أقفَرْتِ أنْتِ وهنّ منكِ أواهِلُ.
يَعْلَمْنَ ذاكَ وما عَلِمْتِ وإنّمَا،
أوْلاكُما يُبْكَى عَلَيْهِ العاقِلُ.
وأنَا الذي اجتَلَبَ المَنيّةَ طَرْفُهُ،
فَمَنِ المُطالَبُ والقَتيلُ القاتِلُ.
تَخْلُو الدّيارُ منَ الظّباءِ وعِنْدَهُ،
من كُلّ تابِعَةٍ خَيالٌ خاذِلُ.
 
اعتاد العرب على افتتاح قصائدهم بأبيات غزل عاشقة، ولم تنبىء قصائد المتنبي في مجلس المأمون بضرورة شعرية، بقدر ما كانت رسائل حب صادقة لا يختلف متذوق شعر أو عاشق عليها. هل وجد المتنبي في قصة حبه "لخولة"، أخت الخليفة، منفذ لبعض أحلامه، أم أنه عشقها حقاً؟ ربما أكمل الخياران بعضهما البعض في قلب الرجل:

قِفي تَغرَمِ الأولى من اللّحظِ مُهجتي،
بثانِيَةٍ والمُتْلِفُ الشّيْءَ غارِمُةْ.
وما حاجةٌ الأظغانِ حَوْلَكِ في الدّجى،
إلى قَمَرٍ ما واجدٌ لكِ عادِمُهْ.

لا بدّ وأنك ستجد المأمون متربعاً على عرش قصائد المتنبي، تقول ذلك قبل أن تدقق النظر فيها، وتكتشف أنه لم يكن وحيداً. مازال المتنبي مهيمناً على مآثر القصيد وملاحمها حتى لم تعد تميز أن كان يقصد المأمون أم أن شاعرنا قرر وصف نفسه:
 
وَقَفْتَ وَما في المَوْتِ شكٌّ لوَاقِفٍ،
كأنّكَ في جَفنِ الرّدَى وهْوَ نائِمُ.
تَمُرّ بكَ الأبطالُ كَلْمَى هَزيمَةً،
وَوَجْهُكَ وَضّاحٌ وَثَغْرُكَ باسِمُ.
ضَمَمْتَ جَناحَيهِمْ على القلبِ ضَمّةً،
تَمُوتُ الخَوَافي تحتَها وَالقَوَادِمُ.
وَمَنْ طَلَبَ الفَتْحَ الجَليلَ فإنّمَا،
مَفاتِيحُهُ البِيضُ الخِفافُ الصّوَارِمُ.
 
تحولت أسوأ هواجس الرجل الى حقيقة حين خفت كفته، بعد أن وقف أبو فراس الحمداني بينه وبين إبن عمه، حتى وصل به الأمر لإثارة جدل طويل إثر نظمه قصيدة "واحر قلباه"، فما أن وصل المتنبي الى البيت القائل: "‏الخيل والليل والبيداء تعرفني، والسيف والرمح والقرطاس والقلم.." حتى قاطعه الحمداني باستنكار غير بريء: "وماذا أبقيت للأمير، إذ وصفت نفسك بكل هذا؟!"..
 
انتهت قصة الحب الطويلة بين المتنبي والخليفة، وانكسر معها جزء كبير من طموح الشاعر ليغادر مجلس اعتاده سنوات طويلة، قبل أن يتلقفه كافور الاخشيدي الذي لم يخفي المتنبي أمامه خيبته وخسارته القديمة، وخاطبه بحاجته مباشرة:
 
وفى النفس حاجات وفيك فطانة،
سكوتى بيان عندها وخطاب.
وما أنا الباغى على الحـب رشوة،              
ضعيف هوى يبغى عليه ثواب.
ومــا شئت إلا أن أدل عـواذلي،
على أن رأيي فى هواك صواب.
إذا نلت منـك الـود فالمال هين،
وكـل الذى فوق التراب تراب.
 
أخطأ المتنبي منذ البداية حين أظهر طموحه ورغبته ب"إمارة"- مهما تقلصت حدودها- أمام أمراء. ليس من السهل أن يطغى طموح المرء على مهنته المقدرة له!، خلص المتنبي لتلك الحقيقية بعد سجن نفسه زمناً بين الشك واليقين، لعله أخرج نفسه من مأزق تملق غير مستحق بالقاء قصائد أقرب للاحجيات، لا يُعرف منها أن كانت مدحاً أو قدحاً:

كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا،
وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمانِيا.
تَمَنَّيتَها لَمّا تَمَنَّيتَ أَن تَرى،
صَديقاً فَأَعيا أَو عَدُوّاً مُداجِيا.
إِذا كُنتَ تَرضى أَن تَعيشَ بِذِلَّةٍ،
فَلا تَستَعِدَّنَّ الحُسامَ اليَمانِيا.
 
تسارعت الأحداث وطويت الصفحة "الأسوأ"، ربما، في حياة المتنبي. فلم يكتفي الرجل وهو يودعها بهجاء الاخشيدي، بل أسقط غضبه على شعب بأكمله حين قال:
 
إني نزلت بكذابين ضيفهم
عن القرى وعن الترحال محدود
جود الرجال من الأيدي وجودهم
من اللسان فلا كانوا ولا الجود
ما يقبض الموت نفساً من نفوسهم
إلا وفي يده من نتنها عود
أكلما اغتال عبد السوء سيده
أو خانه فله في مصر تمهيد
صار الخصي إمام الآبقين بها
فالحر مستعبد والعبد معبود
نامت نواطير مصر عن ثعالبها
فقد بشمن وما تفنى العناقيد
العبد ليس لحر صالح بأخ
لو أنه في ثياب الحر مولود
لا تشتر العبد إلا والعصا معه
إن العبيد لأنجاس مناكيد ..
 
ماذا لو أن المتنبي حظي بإمارته؟! أغلب الظن أنها كانت ستجعله سعيداً، بعض الوقت، قبل أن يشعر بالملل ويعود لتشرده مجدداً، باحثاً عن نفسه. لا تغني نعم الحياة الملموسة عن لحظة إنسلال قصيدة من قلبه، وكان المتنبي سيدرك ذلك لا محالة..
 
تكمن المفارقة أن تفاصيل رحلة المتنبي "الخائبة" هي من توجته على إمارة الشعر والشعراء، والحقت بمن مر بأبياته الحاقاً.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر