إعادة تهيئة اليمنيين


محمد علي محروس

  لا بد أن نتوقف كثيرًا قبل أي عبور للمستقبل الموعود والموءود سلفًا، علينا مراجعة تجاربنا الفاشلة، ومحاولاتنا التي لم ترَ النور، ثوراتنا، ومكتسباتنا، وحتى مبادئنا، كل هذه الجوامع السابقة لم تعد صالحة للفعل، ولا نملك منها سوى أسمائها لنبني عليها الكثير من العوامل الآتية.

لا أعني التشكيك ولا أقصد انتهاء الصلاحية، على العكس تمامًا، فأنا مؤمن حد التعصب بكل مكتسب يمني، وأنتمي لكل فعل ثوري أعاد الاعتبار للوطن، بدءًا بسبتمبر ومرورًا بأكتوبر ووصولًا إلى فبراير، لكن المتغيرات التي عشناها طوال الخمس السنوات الماضية، ألزمتنا بضرورة إعادة التفكير فيما مضى، ووضع حسبة زمنية باعتباراتٍ مواكبة للمستجدات، دون العودة إلى تفاصيل عفا عليها الزمن، وفرضت دونها تفاصيل أخرى، وحسابات جديدة.

إن الثورة الأم (26 سبتمبر) وضعت الخطوط الأولى لولادة الجمهورية، وما بعدها كان محسوبًا عليها، من ثورات وانتفاضات تصحيحية، لكنها وبكل أسف، تعرضت لتدخلات إقليمية لملمة شتات الملكيين يومها، وركّزت اهتمامها لشق الصف الجمهوري، حتى تمكنت تلك التدخلات من صناعة توازن مرحلي بين الملكيين والجمهوريين تحت يافطة الثورة التي حاولت الصمود في وجه كل ما تعرضت له طوال نصف قرن، ومع ذلك كانت وما زالت تتعرض لاستهداف مبطن أعاقها عن السطوع الكامل؛ بفعل تغلغل الرافضين لها من الأسر المستفيدة والسلالات المختارة بأمر الله كما تدّعي، وهذه تتحمل مآلات ما حدث ويحدث لليمنيين طوال العقود الماضية، وخلال الخمس السنوات الماضية على وجه التحديد.

بشكل أقل، لا مفر لدينا من أن نكون في مستوى حدث ثورة وطنية وشعبية ضد مستعمر أجنبي، كثورة أكتوبر، التي اعترضت طريقها عقبات عدة، حتى تكللت باستقلال جنوب الوطن فيما عُرف بيوم الجلاء، الذي شهد رحيل آخر جندي بريطاني من عدن، وثورة أكتوبر وجلاء نوفمبر لم يكونا بمنأى عما يجري في شمال الوطن يومها، لذا فالمخاض كان عسيرًا هنا وهناك، ففي الشمال مستبد داخلي يحاول قتل الثورة في مهدها، وفي الجنوب مستعمر خارجي استخدم القوة المفرطة للقضاء على الانتفاضات الشعبية المتواصلة، وكلاهما باءا بالفشل، وفزنا كيمنيين بمكتسبين جديدين، ثورة ضد استعمار، ويوم وثّق رحيل آخر جندي مستعمر للبلاد، وبدا الأمر أكثر وضوحًا لحقبة زمنية يقودها أبناء الوطن ومناضلوه.

فترة الوحدة وتوابعها، حتى اللحظة تبدو غامضة للغاية، حتى ما سُمي بالتجربة الديمقراطية، ومرحلة التعدد السياسي، هي الأخرى كانت عرضة للأهواء، والأقوى مكانةً وسلطةً ومناطقيةً هو من يملك إرادة الفعل، بما في ذلك حرف مسار الخيار الشعبي، وذلك ما تسبب في انتفاضة شعبية واسعة توجت بثورة الحادي عشر من فبراير، والأخيرة وقعت في فخ التعنت والاستهداف المباشر من القوى التقليدية العصبوية والسياسية تمخض عن ذلك الانقلاب الكامل على الإرادة الشعبية المتمثلة في مخرجات الحوار الوطني ووثيقتها الضامنة لكل ما يريده اليمنيون بما في ذلك البعد المستقبلي لشكل الدولة وهيكلتها الشاملة مع معالجة القضايا العالقة وتجفيف منابعها بوضع حلول نهائية ومرضية للجميع.

إن إعادة تهيئة اليمنيين لوضع جديد وواقع آخر صنعته الظروف الراهنة، بات ضرورة قصوى؛ من أجل الوصول إلى حل نهائي، يضمن سلامًا إيجابيًا وتوافقيًا، ينهي سنوات الحرب والصراع الغير مبرر.. وذلك لا يمكن أن يكون إلا بتعزيز مفاهيم صناعة السلام، والبناء عليها لإحداث تكاتف مجتمعي ضد المتغيرات التي تزيد الصراع وتؤجج الفوضى.

علينا أن نصنع واقعًا يحقق التطلعات اليمنية كلها، دون انتقاص، وبعيدًا عن الشوائب والعوالق الهوائية التي ترتبط بالمكون الفلاني والحزب العلاني وقبيلة بني زعيط؛ إذ يكفي هؤلاء ما فعلوه في مكتسباتنا وثوابتنا ومبادئنا الوطنية كثورة سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر وفبراير والوحدة اليمنية، إضافة لثقافتنا الجامعة التي أراد لها صنّاع الفوضى أن تتشكل كما يحبون، وبما يحقق لهم استمرارية الحرب وبقاء هذه البلاد عالقة دون مصير.
 
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر