مخاض أوطان!


نور ناجي

لم تكن خطواتي متثاقلة كعادتي القديمة حين كنت أظن بأن ترك الموجوعين بالفقد لبعض الوقت قد يكون نافعا لنزف أحزانهم دفعة واحدة لعل الانهيار والهروب يعجل من هول الصدمة، قبل أن أتعلم أن المواساة مؤازرة تساعد في تجاوز وتخطي الكثير من المحن.
 
وقفت برهة أمام منزل جارتي، كنت للأسف قد زرتها قبل أقل من شهر، لتأدية وأحب العزاء في أختها التي لم تكن قد أتمت العشرين من العمر بعد إصابتها بالكوليرا لتترك طفلين أصغرهما رضيع لم يكمل بضعة أشهر، أتذكر تماماً النظرات الزائغة والفجيعة التي التصقت على ملامح وجهها وهي تتنقل بين ثوب المتوفاة الذي مازال معلقاً وبين طفليها الباكيين!
 
من الصعب إعادة ذلك المشهد، لا أحد ينكر الأنانية التي تحاول إبعادنا عن الأوجاع قدر ما أمكننا وقد شعرت ببعض منها وأنا على وشك طرق الباب في تعزية جديدة لذات الجارة بعد أن فشل الأطباء في علاج ابنها وإنقاذه، لكني تمالكت نفسي، لن تكون لحظات العزاء بالنسبة لي أشد وطأة من المرأة المفجوعة خلف الحاجز الخشبي.
 
عبرت الباب وأنا أعد نفسي للحظات أشد وطأة وفجيعة مضاعفة، لكن ما واجهني كان عكس ما أعددت نفسي له، توسطت جارتي رأس المكان وقد رسمت على وجهها ابتسامة حزينة لكنها ممتلئة بالرضى، الكثير منه، إلا أنه لم يشدني بقدر ما التمست القوة عبر ملامحها، كنت واثقة أنه لم يكن مجرد ادعاء أو قناع زائف لإخفاء ضعفها، لقد كان قوة حقيقية أخذت توزعها على من في المكان وكأنها أخذت على عاتقها عهد بمواساة الجميع نيابة عنهم.
 
ما الذي حدث وكيف تمكنت من وداع جديد بهذه الصلابة؟!
 
تجاهلت العبارات والأسئلة التقليدية ورحت أتأملها بنهم لعلي التمس منها بعض القوة ومواساة نحتاج بين الحين والآخر لبعض من كليهما، قبل أن تختفي ملامح جارتي ويستبدلها خيالي بامرأة أخرى كانت الأكثر _من بين نساء العالمين _حاجة لبعض التعزية والمواساة، المرأة التي انتبذت مكان قصي واستندت على جذع شجرة وهي تتلفت حولها فزعة قبل خوضها مخاض ولادة طفل لا والد له!
 
كان الأمر مقضياً بالنسبة للسيدة مريم " عليها السلام "، لم يعد من مكان للفرار أو للتخلص مما كتب عليها، لكنها بشر في نهاية الأمر، إنسان بنقاط القوة والضعف التي يحملها البقية، أي لوم قد يقع عليها أن أصيبت بلحظات من ضعف وشك؟!
 
ربما لم يكن يقينها لحظات المخاض العصيبة في أحسن حالاته، فقد هتفت بعجز :" يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَ?ذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا"، إلا أن الخطاب الرباني لم يطل عليها حتى أجابها :" أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا !"

لا بأس ستحاول أن تتغلب على حزنها، لكن، لا أعتقد أن وجبة طعام كانت أولوية بالنسبة إليها في تلك اللحظات، ثم أليس من الغريب أن تؤمر ببذل جهد لهز الجذع وهي من كانت تنزل عليها موائد من السماء، هل نزعت عنها تلك الرفاهية؟!، الا يحق للسيدة مريم طرح مثل ذلك التساؤل؟!
 
لا أظن أن بضع تمرات كانت ستخفف من وحشة شهور طويلة قضتها بقلق لإخفاء ما تحمل، ومهما كان مذاق الثمرات حلواً لم يكن ليمحو هاجس عار لن تُرحم منه ساعة انكشافه، كما أن نبع الماء الذي شق تحتها لم يبين خارطة واضحة المعالم لغد ومستقبل مجهول التفاصيل، فكيف لها استيعاب أن هز النخيل سيحل مشاكلها!

يقال بأن "تقدير قيمة العمل" تفسير مناسب لمثل هذا الطلب، لكن هل كان ذلك التقدير ملحاً في لحظة المخاض العسيرة، ألم يكن من الأنسب اختيار توقيت تكون فيه السيدة مريم أكثر طمأنينة وبعيدة عن إنهيار وشيك ولحظة هزيمة قد تقودها لعزلة تفر بها من قدرها وتعزي مصابها؟!، إلا أن كانت صدمة الطلب الإلهي هي ما كان مقصوداً!!
 
فقد تمكن ذلك الطلب المفاجئ من تشتيت حزنها وإشغالها بالجذع خلفها عن حالتها ووجعها، حتى استعادت زمام نفسها وبعض من قوة ستحتاج إليها لحظة احتضانها لسيدنا عيسى " عليه السلام "!
 
يعتقد البعض بأن عبور الحياة يحتاج لتجنب حذر من الهزائم وجمع أكبر قدر من اللحظات السعيدة، متجاهلين أن نجاح تجربتنا الإنسانية لا يعدنا بنجاح سهل بل بعبور قاسي ومضني، تفاجئنا به الصفعات والتجارب الفاشلة حتى نتشاركها مع من يؤمن بها، هذا ما وصلت إليه السيدة مريم حين واجهت بطفلها أصابع الاتهام الموجهة اليها، وقد يكون هو ما شعرت به من النظرات القوية لجارتي.

لا تختلف التجارب الإنسانية عن تجارب الأوطان، نزفت أرضنا خلال السنوات الماضية الكثير ومازالت تتلقى الصفعات الموجعة وقد تكالبت عليه الأعباء والمصالح والانعطافات الغريبة، ولم تسلم من طعنات كان بعض أبناؤها أول من غرس خناجره بها قبل أن يشاركهم الغريب بتشفي لئيم!
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر