السلام الداخلي والحرب


فكرية شحرة

 الإنسان المعاصر لأحداث متلاحقة ورهيبة، كالحروب وما تفرز من شقاق وانسلاخ عن الأخلاق، يعاني صراعا داخليا أشد من الصراع الدائر حوله. هذا الصراع يكون كثيفا عند البعض، خفيفا عند البعض الآخر، عميقا أو سطحيا، بحسب ذات الشخص ونظرته لما يدور.
 
أثناء الحروب؛ يفتقد الغالبية من البشر لقمه العيش والأمن، ويصبح توفرهما هو تحقيق السلام؛ لكن القلة فقط من يفتقدون السلام الداخلي بتوفر الأمرين السابقين.
 
السلام الداخلي؛ يُفقد عند نشوب الحرب، بين نقاء الشخص وما تحدثه هذه الحرب في ذوات الناس من تلوث يواجهه في تعامل مباشر أو غير مباشر. هذا النقاء الداخلي، الرافض لكل تنازلات الأمر الواقع، قد يقتلك قبل أن تصل إليك رصاصة ما..
 
يقتلك ببطء، أو يُجهز عليك بضربة واحدة. المقاومة الوحيدة المتاحة في هذه الحرب الخاصة هي فلسفة الواقع: تبرير غير المقبول. لكنها مجاهل، تضيع فيها ذاتك بلا قناعات داخلية، ما تلبث أن تبدو فلسفة هشة لتهزم أعماقك هزيمة مؤلمة.
 
أن تفقد حياتك، أفضل بكثير من أن تفقد مبادئك وأفكارك، أو أن تظل تقاوم طواحين التلوث الأخلاقي بلا جدوى !!
 
رؤية الآخرين يتصالحون مع أنفسهم ببساطة، ليعم سلامهم، يزيدك شقاء. فحربك قائمة، وانخراطك في قطيع السلام مرهون بقناعتك الداخلية.
 
وضع دائرة حولك، كعنصر شاذ؛ هذه إحدى افرازات صراعك الداخلي، وليست بالضرورة حقيقة ملموسة؛ أنت ربما تتحاشى الصدام مع الآخرين فتضع حول نفسك دائرة من العزلة الاختيارية..!
 
من أيسر الأمور في الحياة، تصنيف البشر ووضعهم في القوالب التي نريد في وعينا.. إنه العمل الذي لا يتطلب منك جهد المعرفة؛ إنما القدرة على تحمل الاحتقار أو تحمل الوزر.
 
وكما أن دور الشخص الشرير في الحياة ليس سيئا أو منفرا، فدور الشخص الطيب قد يكون غبيا وساذجا!! على أن يكون شريرا ذكيا وخصما شريفا؛ فلا أسوأ من الشرير الغبي أو الخصم النذل.
 
قد يوصم الشخص بالشرير لأنه صلب، لا تؤثر فيه الاستمالة لتغيير قناعاته؛ وليس لأنه يقوم بفعل الشر للآخرين، أو ضدهم؛ أحيانا أنت شرير لأنك لا ترغب في فعل ما يمليه عليك الآخرون!؛ وأنت طيب، طيع، لأن أوامر الآخرين من تُسيّرك وتمنحك صفة الوجود المفيد..!!
 
عبارة "أخلاق الحرب"؛ تبدو مضحكة، نوعا ما، فالحرب تسقط الأخلاق على مستوى الأفراد، وتخرج أسوأ ما في البشر؛ ليس الدموية والوحشية فقط؛ بل في القدرة على التلون والكذب وتزييف الحقائق ضد الطرف الآخر، والحقد على الخصوم الذين لا تعرفهم..!!
 
الحرب تبيح كل المحظورات، وتبيح الأخلاق والمبادئ أيضا؛ تصبح قطع كساء، يرتديها الأشخاص كالملابس، تستر عورة تفكيرهم أحيانا، وتكشفها أحيانا كثيرة..!!
 
حتى مصلحة الوطن وانتصاره، تصبح فكرة ثانوية، غير ذات بال في عقولهم؛ فلا نصر يعلو على نصر ذواتهم !!
 
ما أقل أولئك الثابتون على مبادئهم التي يتشدقون بها، والتي لا تضطرهم مآرب الحرب الخفية وأحقادها، أن ينزعونها جانبا، ويظهرون بوجههم القبيح.
 
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر