بعد ما يقارب سنتين من قرار نقل مجلس النواب إلى عدن، في يناير/كانون الثاني 2017، تمكنت الشرعية أخيرًا من لملمة الجزء الأكبر من أعضاء المجلس، وترتيب انعقاد جلساته في مدينة سيئون بحضرموت.
 
هذا الحدث الذي أخذ زخمًا كبيرًا رافقه شد وجذب، وتجلت معه دلالات كثيرة فيما يخص توقيت ومكان انعقاده، والظروف التي أحيطت به، وما إذا كان يشكل نصرًا سياسيًا كاملًا للشرعية أم أنه نجاح مقيد، تمكنت فيه الشرعية من التحرك وفقًا للخطوط المرسومة، وبما لا يتيح لها تثبيت سلطتها وتعزيز حضورها كدولة لها الحق في التحكم بكامل المدن اليمنية المحررة.
 
بداية، وبعيدًا عن الحصاد السياسي الذي تمكنت الشرعية من تحقيقه بهذه الخطوة، فإن هناك مسألة جوهرية، تتعلق بمكان انعقاد الجلسة: لماذا في سيئون وليس في عدن..؟!
 
كيف تقبلت الشرعية، رسميًا، الرضوخ للحدود والقيود المفروضة على تحركاتها في أهم المدن اليمنية وعاصمة البلاد المؤقتة ؟! لماذا ذهبت تبحث عن مدينة أخرى، بدلًا من التمسك بحقها في انعقاد المجلس في عدن، وكسر حالة الحظر الذي تفرضه المليشيا هناك..؟!
 
بالطبع؛ لو أن الأمور مستقرة، والشرعية باسطة لنفوذها على كامل الجغرافيا اليمنية؛ لكان الأمر طبيعيًا أن تنعقد الجلسة في أي مدينة تختارها هي بكامل إرادتها. إلا أن الوضع ليس كذلك. ولهذا فإن انعقاد الجلسة في مدينة أخرى، غير العاصمة المؤقتة التي صدر قرار رئيس الجمهورية بنقل المجلس إليها قبل أكثر من عامين، يعد تنازلا خطيرا من قبل الشرعية.
 
 هذا التنازل يرسل إشارات سلبية للقوى المتحكمة بالوضع في عدن بأن المدينة صارت حكرًا عليهم. كما يعد بمثابة إقرار رسمي بعجز الشرعية عن استعادة حقها في التواجد بكل المدن اليمنية، وعلى وجه التحديد عدن، بل واعتراف ضمني بالأمر الواقع الذي تفرضه المليشيات المسلحة هناك !!
 
هذا التساهل، الذي تتعامل به الشرعية مع أخطر القوى التي تنازعها سلطاتها في السيادة على المدن الجنوبية؛ يسهم في ترسيخ وجود السلطة الميليشاوية الشاذة في عدن، ويمكنها من إنفاذ قراراتها، والتحكم بمصير المدن كما تريد..!!
 
 بل والذهاب أبعد من ذلك، ربما. فلا يستبعد مستقبلًا- مع أي احتكاك قادم مع الشرعية- أن تعيد تلك الميليشيات تفعيل مخطط الإطاحة الكلية بالشرعية في عدن، واستئناف استكمال سيناريو يناير/ كانون الثاني 2018، الذي كان يهدف للقضاء كليًا على أي وجود للقوى الموالية للشرعية هناك، وإزاحتها من المشهد تمامًا.
 
كان حدث انعقاد مجلس النواب فرصة للشرعية، كي تمارس ضغوطًا مكثفة في كل الاتجاهات، تصر من خلالها على ضرورة انعقاد المجلس في عدن، لما لها من رمزية في تثبيت حضور الشرعية، وتتمكن بذلك من خلخلة قبضة مليشيات الانتقالي الجنوبي على الوضع هناك، والتمهيد لاستعادة سلطات الدولة في الجنوب، واتخاذ عدن منطلقًا لتكثيف حضورها في باقي المدن. تحقيقا لأحد أهم الاهداف الرئيسة من اتخاذها عاصمة مؤقتة للبلاد.
 
أولى هذه الضغوط؛ كان يتوجب أن تكون باتجاه حلفاءها، وبالتحديد الإمارات، التي تربطها علاقات موثوقة بالمجلس الانتقالي، وتستخدمه كقفاز في وجه الشرعية. إصرار الشرعية هنا، كان سيضع الإمارات في موضع محرج، ويجعلها أمام موقف كاشف، يتأكد بناء عليه محددات علاقتها بالشرعية، فيما إذا كانت ستذعن لمطالبها وتوعز لحليفها الانتقالي بالتهدئة، أم ستذهب باتجاه دعمه، وبالتالي خسارة الشرعية كليًا، وسقوط ورقة التوت بينها وبين الحليف المغرد خارج سربها؟!
 
أما بخصوص الانتقالي؛ وما إذا كان سيخضع لتوجيهات الإمارات، حال أن تمكنت الشرعية من تحقيق نتائج ضغوطها، فالأمر محسوم، بأنهم ما كانوا سيفتحون أفواههم. فالجميع يعلم أن المجلس الانتقالي مجرد ريموت في يد داعميه، الإماراتيين، ولا يمكنه أن يتحرك بمعزل عن توجيهاتهم.
 
وكمثال بسيط أمامنا للتدليل على ذلك، ما حدث في أكتوبر/ تشرين أول 2018، وكيف أثرت توجيهات الإمارات في تراجع الانتقالي عن التصعيد ضد الحكومة، بعد بيانه الشهير بخصوص الترتيب لفرض خطوات إعلان الاستقلال؛ لكن وبمجرد أن توصلت الحكومة لتسوية مع الإمارات، قضت بتغيير رئيس الوزراء.. حينها، مباشرة سحبت الإمارات قيادة المجلس الانتقالي إليها وصمتوا جميعًا، متخليين عن بيانهم الذي سبق أن أعلنوه وتضمن خطوات تصعيدية توحي بوجود تحرك نهائي لا رجعة فيه..!!
 
على كل حال، لا أحد ينكر وضع الشرعية، وموقفها الضعيف، ووقوعها بين انتهازية المشاريع الصغيرة في الداخل، وتساهل الحلفاء معهم؛ إلا أن المشكلة الجذرية تكمن في عدم وثوق الشرعية بقدرتها لما تملكه من مكانة قانونية، وبالتالي استسلامها وعدم إصرارها على ممارسة صلاحياتها، وتقبلها مسايرة الوضع كيفما كان، والاكتفاء بالعمل في المساحة التي يتيحها لها المتحكمون (اللّا شرعيون) بالوضع في الداخل، بدلا من تمسكها بحقها الدستوري والقانوني في استعادة السيطرة على كامل المدن ومفاصل مؤسسات الدولة فيها.
 
يبدو أن سياسة التراخي والتنازلات المستمرة، التي تتعامل بها الشرعية مع الأوضاع منذ البداية، وصولا لفقدانها الكلي للأرض، ما زالت كما هي..!!
 
 سياسة كهذه، لا تبدو أنها مجرد تكتيك عابر تهدف من خلاله الشرعية للعمل في إطار الممكن، سعيًا لتطبيع الوضع بالتدريج حتى تتمكن من إحكام قبضتها واستعادة زمام السيطرة؛ بل هي منهجية ثابتة تواصل بها الشرعية تفريطها التدريجي بالأرض، حتى تصحو على واقع خارج عن سيطرتها بشكل كامل !!
 
ولدينا نموذج سابق وقريب يؤكد هذه المنهجية المتراخية في تعامل الشرعية المتساهل إزاء المليشيا التي كانت تنازعها شرعيتها، وتقضم المدن بالتدريج، وصولا إلى إسقاط الشرعية وإزاحتها من المشهد كليًا..؛ هذا النموذج المعروف للجميع، يتمثل في تساهل الرئيس هادي نفسه مع مليشيات الحوثي، منذ عمران، وصولا إلى صنعاء وحصاره فيها، ثم ملاحقته إلى عدن..!!
 
أخيرًا: يبدو أن تساهل الشرعية مع مليشيا الانتقالي في الجنوب، سيشبه تمامًا تساهلها مع مليشيا الحوثي سابقًا في الشمال. ولا يستبعد مستقبلا، أن تتحرك مليشيا الانتقالي لحصار سيئون، ما دامت عدن قد أصبحت مدينة مغلقة عليها. وعندها تكون المليشيا قد استكملت سيطرتها على الجنوب كليا، علمًا بأن الوضع سيكون معبدًا لهم لفرض سيناريو كهذا، وبشكل أسهل مما كان متوفرا لمليشيا الحوثي في الشمال، خصوصا مع وجود ما تعرف بـ"قوات النخبة الحضرمية"، التي شكلتها الإمارات مطلع 2016.
 
ومع أنه أعلن لاحقا ادماج هذه الميليشيات في الجيش اليمني ضمن قوام المنطقة العسكرية الثانية بالمكلا، إلا أنها- بحسب المعلومات- ما زالت تتلقى دعمها من أبوظبي وتعمل تحت اشرافها، ما يجعلها ورقة الحسم الأخيرة لمصلحة حليفها: المجلس الانتقالي الجنوبي.
 
وعليه؛ لا يستبعد أن يصحو الرئيس والحكومة، ذات يوم، على واقع جديد، لن يكون بمقدورهم استعادة السيطرة على تفاصيله بسهولة. وهو أمر لا يمكننا التكهن بتداعياته الآن، أو تحديد ملامح السيناريو الذي ستتحرك به المليشيات لفرض واقع سياسي جديد وضرب أخر مسمار جنوبي في نعش الشرعية.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر