دكاكين طبية..


نور ناجي

 للحرب في صنعاء شكل مختلف، بعيدة كل البعد عن الصورة النمطية التقليدية. فهي أقرب لكائن رمادي شفاف أحاط المدينة وتسلل اليها ببطء، زحف بين شقوقها والتصق بأبوابها ونوافذها حتى ابتلعها بألوانها القديمة، ونسخ نفسه عليها..
 
كنا نسخر من المتشائمين، الذين كانوا يحذرونا من نية الحوثي وجماعته اعادتنا لعصر ما قبل التاريخ. ليس ثقة في الحوثي، بل لاستحالة العودة للماضي في مثل هذا العصر المنفتح، متناسين أن مؤشر الحضارة كما يصعد يهوى للقاع بمنتهى السهولة. وتم للانقلاب ما تمنى، وهوت اليمن تحت ثقله لقاع لم يسلم فيه شيء..
 
المضحك، أننا وصلنا الى نقطة الّلا شكوى، فلن تعيد الهتافات والمناشدات شيء لسابق عهده..
 
 ككل الخدمات في صنعاء، تردت حالة الخدمات الطبية. نستطيع القول بأنه لم يعد هناك من طب حقيقي في المدينة الفارغة الجيوب سوى للقادر، والقادر جدا. أما غالبية الشعب فقد ترك لها خيار الموت البطيء، أو تحمل ما لا تطيق من ثمن خدماته الباهظة..
 
وحتى لا أكون جائرة، لم تغلق على المواطن جميع الابواب، بل منح لنا خيار مغامرة دخول الدكاكين الطبية المستحدثة، والتي لا تختلف كثيراً عن صور الماضي الرمادية التي سخرنا من فكرة عودتها..
 
لن تدهش حين ترى الازدحام على عيادات، أو دكاكين الطب الشعبي، أو النبوي، أو ذلك المتشعب في علم الجان وسحر المارد "مرجان"، أو حتى الاحواش الخاصة بعلاج "الونش". نعم الونش والذي يقال بأن تجربته لا تخلو من الإثارة!! وستجد الزائر لتلك الدكاكين، بعد أول زيارة لها، يتحول إلى أكبر المدافعين عنها، وكأنه يزيح عن نفسه حساب ضميره لقبوله أن يُحتال عليه بمثل تلك الكذبات..
 
وكان لي، للأسف، نصيب في تجربة أحد تلك الدكاكين. قبضت ذلك النهار على يد "شهد"، في محاولة لمدها ببعض الشجاعة بعد أن سبقتنا والدتها إلى طاولة الاستقبال في "العيادة"، إن كان بإمكاننا إطلاق لفظ العيادة على بلاط ذلك البدروم المظلم برائحته الموبوءة!..
 
كان المكان مزدحماً، لدرجة أنك لن تجد موضع قدم "لزبون" إضافي، لكن أبوابها كانت مازالت تستقبل المزيد. اختنق المكان بالبكاء والزفير الخانق، إلا أن المذيع كان يقبض على ميكرفونه ومصمم على نقل أخبار المعارك من قلب جيزان ونجران عبر الشاشة المغبرة بكل حماس. يدهشك المدى الذي يصل إليه اعلام الانقلاب في الحفاظ على مثل هذا الثبات الانفعالي، رغم مرور السنوات على ذات الخبر!!..
 
لمحت شيخ كبير يلوح بعصاه في وجه الممرضة البارد:"إنكِ تخالفين الطابور، وتحابين صديقاتكِ أو من يدفع لكِ، رأيت ذلك بأم عيني" صاح بعصبية وهو يرغي ويزبد، مؤكداً لمن حوله أنه يقف على نفس المسافة من الطابور منذ ثلاثة أيام دون ان يُجري العملية. سالت نفسي بين تشنجاته: هل من المعقول بأنه لم يُزِل الّلوزتين بعد هذا العمر؟!. لعلها ليست الُلوز على أي حال، فمثل هذه الدكاكين لا ترفض مريض أو تعجز عن شفائه!..
 
يبدو أن الشيخ لم يكن جائرا كما اتهمه البعض، فقد احتفظت والدة "شهد" بالحجز الذي تأخرت عنه يومين كاملين، وتخطت الطابور و"مخاط" الاطفال ولعنة الشيخ، بمنتهى البساطة، باتجاه "غرفة العمليات"!!..
 
تلمسنا الطريق بصعوبة: "لا يجوز أن يكون في غرف العمليات نوافذ"، هَمَسَتْ لي قبل أن تتعثر بجسد سيدة افترشت البلاط. قد تكون والدة شهد محقة في مسألة عدم وجود نوافذ، لكن ذلك لا يعطي الذباب الحق في احتلال مثل هذا المكان واتخاذها مسكناً له. اعتدنا الرؤية بعد لحظات، ليطل علينا بوجهه البشوش. لا يعطي البالطو الابيض الإيحاء دائما بأن من يرتديه طبيب، وهذا ما شعرت به من حديث "الطبيب"، الذي يبتلع نصف حديثه وكأنه يخشى التورط في كلمة تُدينه!..
 
تجعلنا الحرب أنانيون بعض الشيء، وتخرج أسواء ما فينا. وقد كنت أنانية، بمقدار ولو بسيط، وأنا أزيح بعض الأطفال عن السرير المزدحم، بعيدا عن أعين أمهاتهم بالطبع، لأواجه شهد بابتسامة مشجعة وأنا أسد أذنيها الصغيرتين عن الصراخ المحيط بنا. لا يجدر بها أن تضعف جرّاء انهزام اللحظات الأخيرة. لن تتلقى ابتسامة رضى نتيجة ذلك، فقد أخرجت الحرب أيضاً أسواء ما في والدة "شهد" وحولتها لكتلة من العصبية..
 
 استوعبت الطفلة محاولتي، فأبعدت كفاي وعلى وجهها ابتسامة واثقة: "اطمئني يا خالة، إن خلع اللوزتين بهذه الطريقة أسهل وبدون وجع تقريباً. كما أن أكثر وفيات المستشفيات نتيجة للمخدر الذي يستخدمه الأطباء، وأنا لا أريد أن أموت". لم أكن بحاجة لذكاء خارق لأدرك من الذي وضع لشهد تلك المعلومة. لم يتعلم الأطفال شيئا من الحرب، ومازالوا في منتهى "السذاجة" !!
 
كنت حريصة على أن يستبدل الطبيب المحتال قفازيه الطبيين بأخرى جديدة. فأن يستخدم ذات الزي المتسخ وسرير العمليات المرصوص بالصدى والمرضى شيء، وأن يبدأ عملية جديدة بنفس القفازات شيء لا ينبغي السكوت عنه ابدا، ولن اسمح به..
 
اصابتني نوبة شديدة من الغثيان بعد صرخة شهد المدوية، وخروج الكماشة الملطخة بالدماء من حلقها. يبدو أن علبة البخاخ التي رشها على حلقها لم تكن كافية، أو ربما منتهية الصلاحية، حتى بعد أن هزها مرارا بحاجبين مقطبين وانحني مرة أخرى "لنتع" اللوزة الثانية.
 
من نعم ربنا سبحانه وتعالى أنه اكتفي بلوزتين في الحلق. لم تكن الطفلة لتقبل بجولة ثالثة حتى وإن ماتت اختناقا بمخدر المستشفيات، أو هددتها والدتها بسلخ جلدها..
 
لم أكن اعلم أن شهد تحمل ذلك القلب الأسود حين قاطعت العائلة، محملة إيانا مسؤولية الصدمة التي اصابتها. إلا أني استطعت بعد عدة محاولات اختراق الجبهة المنيعة التي حصنت نفسها بها، وشرحت لها ظروف والديها التي أصبحت في منتهى السوء بعد انقطاع الراتب: "إنها الحرب يا شهد، غادرت الشوارع فعلاً لكنها لم تختفي بعيداً، مازالت هنا ملتصقة بلونها الرمادي على جلودنا"..
 
هتفت الطفلة بحنق وهي تحاول كتم نشيجها: "يا رب اقطع لوز الناس اللّي عملت الحرب، واقطع لوز اللّي قطعوا راتب أمي وأبي!".
 
 هززت رأسي دون أن أردد حروف دعائها أو أؤمن عليه. فكما يأسنا عن الشكوى، توقفنا عن الدعاء حتى نستحقه أو نحقق شروطه. كل ما كان يشغل تفكيري: هل ستواصل حياتنا التدهور عن ما وصلنا إليه، أم سينالنا الحظ ونتوقف عند محطة البخاخ المخدر؟!..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر