التصعيد المسكوت عنه في تعز


محمد علي محروس

  أعيدت تعز إلى دائرة الموت مرغمةً"، هذه الجملة تختزل آلية استقبال المدينة المحاصرة منذ أربع سنوات للعام الجديد، أو على نحو كهذا، إنها افتتاحية برائحة القتل المتعمد للمدنيين الأبرياء، الذين لا حول لهم ولا قوة ولا مفر.

يختار مستهدفي تعز توقيتاتهم بعناية فائقة، ويختارون ضحاياهم بذات الطريقة.. هناك استهداف ممنهج لصناعة المأساة، واستفحال بإصرار حقيقي لتنويع ملامح المعاناة على وجه المدينة التي تتألم منذ سنوات دون منقذ حقيقي يخرجها مما هي فيه.

أكتب هذه الكلمات وسط متاهة الخذلان التي يشعر به كل من في تعز، سواء من الداخل أو الخارج، ولا أدعو بذلك للحرب، بل أكرس جهدي لإحلال السلام بوجه أو بآخر، فكل ما مضى من أعمارنا تحت طائلة الصراع يكفينا لأن نخرج إلى ساحة السلام، لاعبين على قواسمنا المشتركة للتوافق وإنهاء مراحل عسيرة من تاريخنا اليمني المتقلب.

على رأس المدن اليمنية التي تحتاج إلى سلام حقيقي هي تعز، أو على الأقل إنهاء فعلي للحالة التراجيدية التي تعيشها منذ أمد بعيد؛ فالناس هنا لم يعودوا حاضنين للحياة ولا متمسكين بها، فمن لم يمت بقذائف الدبابات ورصاصات الحرب كان صيدًا سهلًا لجائحة الكوارث الإنسانية، والأوبئة المنتشرة، وقبل ذلك كلها، المهاترات البينية والتراشقات الحزبية، ومراحل التصعيد من أجل الحصول على سلطة مفروغة الأهمية والمضمون.

حزينٌ للغاية لما وصلت إليه تعز، فالتصعيد الأخير للحوثيين لم يكن من فراغ، هناك رسائل يحاول الحوثي إيصالها لأطراف بعينها، فيستخدم تعز وسيلةً من أجل تصل تلك الرسائل على وجه السرعة.. في ذات السياق تعجز الحكومة الشرعية، والسلطة المعنية بنقل ما تعيشه تعز عن فعل شيء يستحق الذكر من أجل مئات الآلاف من المخنوقين في مدينة تتوسط طرفين متصارعين.

يلعب الحوثيون على الخلافات الجوهرية بين المكونات التابعة أو المؤيدة للحكومة الشرعية في تعز، فيبثون الشائعات، ويصنعون انتصارات وهمية، ويزيدون على ذلك أن يستهدفوا المدينة بقذائف عشوائية، مع محاولات مضنية لاختراق جدران الصد الأمامية في خطوط المواجهة سواء في جبل هان أو الدفاع الجوي أو التشريفات أو صالة، كل ذلك ليحققوا ما عجزوا عن تحقيقه سابقًا، آملين أن يستطيعوا هذه المرة الوصول إلى مرادهم في ظل حالة العوز العسكرية الداخلية وحالة الارتباك القائمة على المستويين المالي والإداري لكل من الجهازين المدني والعسكري، وإضافة لذلك حالة الانشقاق الداخلية التي تنذر بمساوئ مستقبلية تهدد السلم الداخلي وتصنع مستقبلًا فاشلًا، إذ لا قيمة فيه للإنسان واحتياجاته وتطلعاته واهتماماته ولا إبلاغ من أجل تحقيق استجابة عاجلة وطارئة لإنقاذ المحتاجين من أوضاعهم الإنسانية المتردية، فالسلطة مهتمة بالسلطة، والأحزاب ومكوناتها لا هم لها سوى المناصب، وضمان استمرارية حصتها من ذلك لأكبر فترة زمنية ممكنة.

شخصيًا لا أنتمي إلى فريق بعينه يتمثل هذه الحرب العبثية، ويصوب جهوده ليكون طرفًا ذا فاعلية ضمن إطار إشعالها ودوام استمرارها.. يهمني الإنسان كثيرًا، ذلك الذي فقد منزله، وأهله، وحيّه، ومدينته، وراتبه، ومصدر دخله، ومقومات العيش التي كان يركن إليها فتعينه على نوائب الدهر وتقلبات الحياة التي ما دون الحرب، تهمني تلك الثكلى التي تبكي وليدها صباح مساء وهو يتضور أمامها جوعًا، يتقلب بين الموت والحياة، فلا تجد كسرة الخبز ولا رشفة الماء، ولا من يوصل معاناتها للعالم.

يهمني ذلك الطفل الذي فقد أباه، فتحمل هم أسرته مبكرًا، ليحرم نفسه من التعليم، ومن اللعب ليوفر قوتًا يوميًا لأمه وأخوته.. تهمني تلك المسنة التي فقدت ابنها على حين غرة في ليلة مظلمة بسبب قذيفة أردته قتيلًا.

يهمني أن أنتمي لهؤلاء، للكادحين، الباحثين عن سد رمقهم، للمرضى الذين فقدوا الأمل في الحصول على دوائهم، لأولئك العابرين حدود مناطقهم كي يجدوا مكانًا آمنًا يمكنهم أن يبيتوا فيه.. لهؤلاء أنتمي، ولهم أبحث عن السلام والأمن والاستقرار في ظل السكوت الغير مبرر من قنوات الحكومة الشرعية الحقوقية والإعلامية والسياسية عن معاناة تعز التي فاقت حدود المعقول، وتطورت لتكون حالة مستعصيةً كملف سياسي قابل للتفاوض ولا مجال فيه للتوافق مهما كانت النتائج.

التصعيد الدوري من حين لآخر من قبل الحوثيين يؤكد ذلك، والصمت المطبق من الحكومة الشرعية حيال ذلك التصعيد، يجعلنا أمام تساؤلات عدة عن التصعيد المسكوت عنه في تعز!
فالطرف الأول يحقق مآربه، والثاني متخبطٌ لا يدري ما يفعل، ولا يهمه النتيجة، ولا يعنيه ما سيكون، وهكذا تعيش تعز منذ أول رصاصة للحرب أُطلقت فيها!
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر