مؤشرات عودة المسار


محمد علي محروس

قبل أشهر، كانت الأوضاع مقلقةً للغاية، على امتداد البلاد، كان ذلك تتويجًا لحالة الصراع الممتدة منذ سنوات، فقائل يقول: إن الحالة المرضية استعصت على الحل، تفاقمت، فكان منها أن آلت للانهيار التام، الذي أوشك أن يحدث في ظل تراجع كارثي للعملة المحلية، وانعدام الحلول الجذرية للحد من التراجع الحاصل.

حتى على مستوى المواجهات العسكرية، الوضع لم يتغير كثيرًا، حالة من الركود المثيرة للاستفهام، مصحوبة بمواجهات النكز بين الجانبين، ولا شيء غير ذلك يُذكر.
هذا الوضع المقلق، الذي زاد من ضبابية الحال، توج بإعادة التفعيل للحكومة بتعيين الدكتور معين عبدالملك رئيسًا للحكومة، لمهمة إنقاذية محددة المعالم، على رأسها استعادة عافية الريال ووضع حلول ناجعة للحد من الانهيار الذي شمل كافة نواحي الحياة، ولم يستثنِ بيتًا إلا ووصلته آثاره.

بالتزامن مع هذه القرارات، كانت الإرادة السياسية تقتضي ضرورة الإمساك بزمام الأمور، وامتلاك حق المبادرة وهو ما تُرجم فعلًا من خلال إعادة التفعيل العسكري للجبهات، تحت شعار الحسم ولا بديل عنه مهما كانت النتائج.
شكلت الإجراءات التصحيحية حتى اللحظة مؤشرات إيجابية ذات معالم واضحة نحو مسار استعادة زمام المبادرة.. الحكومة بإصلاحاتها الاقتصادية الملموسة على مستوى استعادة الريال لعافيته ولو بشكل بطيء، مصحوبًا بإعادة تصدير النفط اليمني إلى الخارج، وسط حزمة إجراءات تصب في هذا الاتجاه، وسلسلة من المعالجات الإدارية الضرورية التي تقتضيها المرحلة للدفع بعملية الإنقاذ؛ كي ترَ النور وتستقر.

كذلك أيضًا، الجانب العسكري، وهو من الأهمية في مكان، لتحقيق انتصارات فعلية على الأرض، ولمواصلة حالة الضغط على مليشيا الحوثي في مجمل الجبهات، وكذلك توصيل رسالة للوسطاء الدوليين أن الشرعية بجيشها الوطني مسنودة بالتحالف العربي لا تزال صاحبة الفعل في هذا الإطار التحريري الذي فرضه انقلاب الحوثي على مؤسسات الدولة نهاية 2014م وابتزازه للمكتسبات الوطنية وثروات الشعب برمتها منذ ذلك الحين.

تحركت جبهة الحديدة، وحققت نجاحات ملموسة خلال فترة قصيرة، وهي ذات أهمية قصوى بالنظر إلى معطياتها الإستراتيجية على الأرض، ضمن المعركة اليمنية عامة، وهو المطلوب إثباته اليوم، إذ ستشكل عملية تحرير الحديدة صدمة حقيقية لدى الانقلابيين وستفقدهم السيطرة على أكثر المدن حيوية لديهم، وأكثرها مواردًا من بين المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم، فيما ستشكل استعادة الحديدة انتصارًا استثنائيًا للقوات الحكومية، ستقلب بها الطاولة على الحوثيين، وستعطي الحكومة علامات إيجابية في إطار السباق السياسي المكثف للتوأمة بين انتصارات الأرض والمباحثات السياسية.

كما عادت عجلة جبهة الحديدة للدوران، عادت جبهة صعدة أيضًا، ليضيق الخناق على الحوثيين في كافة جبهات القتال، كذلك الجوف وحجة والبيضاء، وصباح اليوم تم الإعلان عن عملية عسكرية واسعة لاستعادة مريس الضالع، في مؤشر حقيقي لاستعادة الكثير من المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية من بين يدي المليشيا، وسحب بساط سيطرتها شيئًا فشيئا.

ضمنيًا، وحتى تكتمل دائرة البشائر، فإن الحاجة تبدو ضرورية لاستكمال تحرير تعز، المحافظة ذات الأهمية الإستراتيجية كرابط بين شطري الوطن، ولما تمثله من قوة بشرية لا يمكن الاستهانة بها إطلاقًا.. لكن شيئًا من هذا القبيل يبدو صعب الحدوث، فالبيت الداخلي التعزي يمر بحالة تصدع مفتعلة، تحتاج إلى كثير من الترتيب، وإعادة رص الصفوف بشكل يليق بالحالمة، فالفعل الخارجي ليس كالداخلي، وإن كان أشد وقعًا، لكنه ليس كحالة الصراع الداخلية التي أضرت بتعز ونقلتها إلى مراحل أكثر خطورة بالنظر إلى تشتت مسارات التحرير فيها، واصطناع فنون للتراشق والتجاذب البيني.

ليس هناك ما يدعو للتناقض، سوى أن تكون الإرادة السياسية، والفعل العسكري، والإصلاحات الاقتصادية مرفودة بدعم حقيقي وواضح وشفاف من التحالف العربي، باعتباره المعني بكافة ما يحدث في اليمن بعد تدخله عسكريًا في مارس 2015م، وتصدره لكافة ما يتعلق بالملف اليمني في المحافل الدولية وهو ما يدعوه ليكون على مستوى من المسؤولية والاهتمام بالوضع في اليمن وبما يساهم في إعادة الأمور إلى نصابها، بالقضاء على انقلاب مليشيا الحوثي ومعالجة آثاره وكل ما ترتب عليه في كافة الجوانب.

إن هناك حالة من التفاؤل في الوسط الشعبي للإجراءات المتبعة أخيرًا، ولعودة الحل العسكري كخيار للقضاء على هذه المليشيا، إضافةً إلى كون هذه المؤشرات الإيجابية آخذة في اعتبارها مراقبة الدور الحكومي حتى النهاية لاستعادة الريال عافيته وتحسين الوضع المعيشي للناس ودعم مسارات التحرير لإنهاء انقلاب الحوثي.. ما دون ذلك فإن مسلسل الصدمة سيظل ساريًا، وستتلاشى مؤشرات العودة وتموت كل محاولات إعادة الحياة في أوساط المواطنين المترقبين لنهاية وشيكة من وضع كارثي طال أمده.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر