عاش الملك.. مات الملك..


نور ناجي

 من سخرية القدر أن الجمهورية اليمنية الغت النظام الملكي منذ ثورة السادس والعشرين من شهر سبتمبر من العام 1962م، إلا أنها وبالرغم ذلك مازالت معلقة بملوك لا يقيمون على أرضها.
 
 لا يزال الرئيس باق على رأس الجمهورية، مادامت المملكات حوله راضية عنه. أما ذلك الذي يحاول ادارة ظهره عنها، تجابهه بسخط قد يقصر في فترة توليه الحكم..
 
لم يمر قيام الجمهورية اليمنية، بالسهولة التي نقرأها في صفحات بعض الكتاب. حوربت من جارتها الملكية لسنوات طويلة بالمال والسلاح، استنزفت خلالها الجمهورية الوليدة من رجالها ووقتها، وربما من الكثير من حماستها التي قامت عليها.
 
 فقيام جمهورية في وسط محاط بملكيات، يصيب الجميع بحالة توجس دائمة. ارتباط لا سبيل للفكاك منه، معلق على رقبة الجمهورية، كما تراه الملكية حبل تهديد على حياتها. وفي مثل هذه الارتباطات، لا تعني الابتسامات دائماً السعادة والترحيب، كما أن قبضات الأكف تخفي الكثير خلف ظهورها ..!
 
الجبهات متوقفة، والجنود في ثكناتهم انتظارا للأوامر "الملكية" بالتحرك. ليس هذا بالحدث الجديد أو المستغرب، فقد أدركنا أنها من يصدر الأوامر الفعلية، واعتدنا على توقف الجبهات بين الحين والآخر منذ اشتعالها، على الرغم من أن الطرف الوحيد المستفيد من خدمات الهدنة، غير المعلنة، هم ميليشيا الحوثي!..
 
الميليشيا، التي تسابق الوقت بحركتها الدؤوبة، ولا تأخذ فرصة لاستراحة أو مراجعة للحسابات. فالاستراتيجية التي تسير على خطاها واضحة منذ نشأتها. وليس توقف الجبهات سوى منحة ثمينة للاستمرار في تجريف الأرض الواقعة تحت سيطرتها، وتركيع المواطن بجعل الانقلاب حقيقة يجب عليه ابتلاعها جافة. كما أن فيها فسحة مناسبة لإعادة ترتيب أوراقها والتباكي أمام العالم..
 
لماذا إذن تتوقف الجبهات، والجميع يعلم أن الحوثي هو المستفيد الوحيد من هذه الحرب؟
هل للملكية المتوجسة دور في ذلك؟ هل يعقل أنها مازالت تعاني من عقدة "الجمهورية"، وتسعى إلى خلخلتها بفعل أشد خطورة مما صنعه بها الحوثي، أم أن تلك العقدة تحولت إلى استشعار جديد للخطر تجاه سبب آخر؟! ..
 
ربما علينا العودة إلى بدايات الحرب الأولى؛ لم تكن لحظة اجتياح صنعاء، أو محاولة القبض على الرئيس هادي "مرة أخرى" في عدن، هي البداية الحقيقية لها. لقد ابتدأت الحرب الحقيقية مع قيام ثورة ?? فبراير ????م، تحديدا، بعد اعتلاء الأحزاب أكتاف شبابها، وتبني أفكارهم التصحيحية التي كانت تحلم بواقع أفضل، وما ألحقها بعد ذلك من قبول بالمبادرة الخليجية التي أدت إلى تنحية الرئيس السابق..
 
لست بصدد تجريم شباب فبراير أو تبرئتهم، أصاب من أصاب وأخطاء من أخطأ. كما أن الكثير منهم كان يحمل رومانسية ثورية بعيدة عن الحقيقة المرة لدهاليز السياسة ومؤامراتها. واثبت الوقت أن إرادة الأحزاب كانت هي الأقوى والمتحكم الفعلي بمسار الثورة.
 
 "حزب الإصلاح" بالذات، الذي جعل من دول المنطقة وملكياتها تتحفظ على أفكار الثورة وشبابها بكل أطيافه. كما تخوفت من لحظة اعتلاءه سدة الحكم. فمن غير المعقول النظر بارتياح لسطوع نجم حزب إسلامي سياسي في دولة مجاورة، بينما أفراده ومؤيدوه منتشرين بين مواطنيها، ويجاهر بذلك دون خوف. يمكن للملكية تأييد مثل تلك الأيدولوجيات للضغط على غيرها، وعبر مسافة آمنة. لكن التصاقها بملكية، يمثل خطرا لا يمكن المجازفة بمحاولة تقييده ضمن نطاق أو حدود معينة..
 
تغاضى العالم عما يحاك لفبراير، دون النظر للكثير من مطالبها العادلة، التي جرفت من خلال تسليط الضوء على الإصلاح دون غيره. فلم تحمل التجارب الإسلامية السابقة النجاح، بقدر ما لازمها الفشل منذ نشأتها. فكان لزاما عليه تجاوز ما يحدث خيرا من خوض تجربة خطيرة على مرمى البصر من أهم طرق التجارة العالمية..!!
 
وكان التوقيع على المبادرة الخليجية فرصة مناسبة لتدارس الموقف واتخاذ التدابير اللازمة لمنع ذلك التحول. خاصة مع بروز الحوثي، المعترف به، كناتج عن ثورة فبراير، واقتراب ايران العدو المتربص بقفزة واسعة ..
 
لم تجد دول الخليج بدأ من تنفيذ خطة استباقية بموافقة الرئيس الحالي، وبمساعدة الرئيس السابق أيضاً، تهدف للتخلص من قائمة الأعداء المتمثلة "بالحوثي والإصلاح". وذلك عن طريق خلق مواجهة مصيرية بينهما تؤدي إلى تخلصهما من بعضهما البعض، أو خروج أحدهما من المعركة "كمنتصر ضعيف"، لا يقوى على مواجهة أخرى..!
 
تم تنفيذ المخطط. و"عادت عمران إلى أحضان الدولة"، كما قالها الرئيس هادي بكل وضوح. ودخل الحوثي صنعاء دون أن تتحرك المملكات أو يستفزها اسقاط عاصمة دولة مجاورة! وتم توقيع بيان انتصار الحوثي وإعطائه الضوء الأخضر من محيطه، المتمثل بمباركة اتفاق السلم والشراكة. لكن تلك المباركة، لم تثني المنتصر عن قلب الطاولة على الجميع، واستمر في غزواته، لينسحب الإصلاح دون مواجهة حقيقية. لا أعلم إن كان ذلك ذكاء مفرط، أم مجرد تفضيل قادته للسلامة !!..
 
وأكمل الحوثي مسلسل سيطرته على اليمن، بايعاز من الرئيس السابق الذي لم  يكن ينظر بارتياح لتجمع قوة موازية له في صنعاء. كما وجد في ذلك التمدد، فرصة للتخلص من منافسه الجديد، مخالفا بذلك ما تم الاتفاق عليه، مما أضطر ممالك الخليج للتدخل الفوري السريع، وقد شعرت بأن الأمور قد تخرج من تحت سيطرتها، فلا يمكنها- بأي حال من الأحوال- السماح لتهديد أمنها القومي بذراع إيرانية جديدة في المنطقة..
 
لم يكن المحللون مخطئون في تحديد فترات قصيرة لانتهاء الحرب. فليس التخلص من الحوثي بتلك الصعوبة، ومازال الرئيس السابق حليف قوي رغم مخالفته قواعد اللعبة، وبإشارة منه سينهي الانقلاب ويعود البطل المنقذ والحليف الفعال لممالك وامارات الخليج.. فما الذي حدث لتطول الحرب وتضيع أهدافها؟!..
 
مات الملك، عاش الملك !!..
ربما كان لوفاة الملك عبدالله آل سعود واستخلاف الملك سلمان، سبب في استمرار الحرب، حين أطاح بالمقربين من الملك السابق، أصحاب العقول التي شاركت في رسم خطة حرب اليمن وحددت أهدافها، وتعين ابنه وليا للعهد بطاقم جديد وأهداف جديدة. وبالطبع لن تتصدر حرب اليمن أو معاناة الشعب المطحون أولوياته، وهو في خضم حرب سرية لتثبيت الحكم وإرغام الأسرة المالكة في السعودية على القبول بولي العهد الشاب..
 
سمعنا خطابات للرئيس السابق بعد وفاة الملك عبدالله، ونبرته المتحدية الجديدة التي وجهها للمملكة السعودية بالذات، دون أن يستوعب المواطن السبب الحقيقي لمشاعر الصدمة وإحساس الخيانة البادية على ملامحه. ولعل دولة الإمارات عانت هي أيضا في محاولة السيطرة على "ولي العهد" واستيعابه لخطط الحرب على اليمن بأهدافها المعلنة والأخرى المستترة. إلا أن الوقت لم يسعفها لإنقاذ الرئيس السابق من الحوثي الذي لا يثق سوى بنفسه ويسبق الجميع بخطوات، مرة اخرى..!
 
قتل الرئيس السابق، لكن دون إيجاد بديل مناسب، لتستمر الحرب بخطوات زاحفة مرتعشة. فرغم بقاء أطراف الحرب في لعبتها، إلا أنها أمست بأهداف متجزأة. استغنى حكام الإمارات عن إكمال الحرب، بمشروع الانفصال والسيطرة على موانئ الجنوب وجزره. والمملكة المحيطة بنا، وتخنقنا باحضانها وحدودها الجغرافية، تغرق في نتائج التصرفات الطائشة لأميرها الشاب، الذي يبدو أن العالم توحد على وجوب ازاحته.
 
واليمني يراقب كل ما يحدث، متوقعاً استغلال  حكومة الشرعية ما يحدث للخروج من مازقها، وتطالب بحرية إنهاء المعركة بنفسها: هل ستستجيب الحكومة، أم سيكتب علينا انتظار عاجز لخيارين؛ قبول العالم بولي عهد المملكة بعيوبه وأمواله، أو ترقب الانقلاب عليه واستبداله بملك جديد؟!..
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر