تحالف قَهْر الشرعية


محمد علي محروس

قد تبدو كلمة "قهر" غير ملائمة ما بين التحالف والشرعية " المُنقِذ والمُنقَذ"، فالكلمة دخيلة وتحمل في طياتها الكثير من التأويلات السلبية، إذ يرى كثيرون أن المتعارف عليه هو " تحالف الشرعية" أو " تحالف دعم الشرعية"، وهذا لم يعد حقيقةً على الأرض، فالتحالف القائم على صرخات الاستغاثة القادمة من اليمن، وعلى أنقاض طموحاتهم التي هدمها الحوثيون، حاد عن الطريق، وحوّل اليمن إلى ساحة تصفية حسابات محلية وإقليمية وربما مستقبلًا تتحول إلى ساحة لصراع دولي، تمامًا كما يجري في سوريا.

بعد عاصفة الحزم، التي قيل إنها حيّدت القدرات الجوية والعسكرية المحدودة للحوثيين، انحرف مسار العمليات العسكرية للتحالف العربي في اليمن، واتخذ من أهداف إعادة الأمل وسيلةً للتموضع على الأرض اليمنية، لمآرب مستقبلية، ظاهرها المشاركة في التحرير جنبًا إلى جنب مع الجيش الوطني، وباطنها الحصول على امتيازات معينة بالقوة المفروضة، ولعل ما حدث ويحدث في سقطرى والمهرة وحضرموت تأكيد على ذلك.

بالتزامن مع خطط التوسع العسكري للتحالف العربي، كانت هناك مؤشرات فعلية على أن الحرب في اليمن باتت تأخذ منحىً آخر، على عكس ما هو معلن، وغير ما تتعاطاه وسائل الإعلام المؤيدة، فبدأ استهداف قيادات عسكرية ذات ثقل شعبي ولها بصماتها العسكرية في البلاد، كالأبارة والشدادي الذي استشهد بصراوح في ظروف غير واضحة، إضافةً إلى عدد من الضباط والجنود العسكريين في نهم وحجة وتعز، وكالعادة يتم التغطية على ذلك بتوجيه أصابع الاتهام للحوثيين، على الرغم من وجود أدلة دامغة تدين التحالف بارتكاب الجريمة، مثلها مثل الغارات التي قيل إنها خاطئة سواءٌ تلك التي استهدفت الأسواق والمدارس والمدنيين وتكررت أكثر من مرة دون مبررات واقعية سوى استهداف الحوثيين.

لا يوجد أجرم من الحوثيين وما ارتكبوه في حق الشعب من انتهاكات جسيمة تتجاوز جرائم الحرب التي شوهت وجه الإنسانية على مدى التاريخ، لكني حتى اليوم على موقفي الذي اتخذته منذ زمن وهو أن هذه المليشيا النزقة ما كانت لتكون لولا الدعم الذي حظيت به من قوىً إقليمية غير إيران؛ لدخول صنعاء وتنفيذ مهام محددة، سرعان ما تحولت إلى فوضى تقودها إيران، وانتشر سرطان الحوثيين في كل البلاد، لتُعلن السعودية تحالفًا عسكريًا معية دول أخرى لتأديب جنودها الشاردين في اليمن، الذين فشلوا في تحقيق المهام المحددة الهادفة لإقصاء قوى محلية معينة، بل وتجاوزوا ذلك إلى تحويل الجارة الاستراتيجية إلى دولة مشتعلة تهدد الخليج والجزيرة، وهو ما يحدث اليوم بكل تفاصيله.
التحالف الذي أشعل حربًا لا نهاية لها، تحت ذريعة دعم الشرعية وإعادتها للواجهة، ها هو اليوم في مآزق عدة؛ فالتقارير الحقوقية الدولية تدينه بالشراكة مع الحوثيين في إدخال اليمن ضمن أفشل دول العالم على كافة المستويات.. إنه يتبنى استراتيجية ابتزازية في الجانبين السياسي والاقتصادي باستخدام القوة العسكرية، فاليمن التي هبوا لنجدتها، أدخلوها في أتون فشل ذريع، وساهموا مع سبق الإصرار أن تبدو بهذه الصورة المهترئة بعد أربع سنوات من الانقلاب الحوثي ومثلها من عاصفة الحزم الإنقاذية، وكلا الحالتين تسببتا فيما نحن فيه اليوم.

إذا كان التدخل العسكري للتحالف العربي جاء من أجل إخماد نشوة الحوثيين وتحجيم تهورهم حينها، فإنه أيضًا جاء لإعادة الشرعية الدستورية برئاسة هادي، ولكن سرعان ما دخلنا مرحلة اضمحلال عامة، فلا الحوثيون انتهوا عسكريًا، ولا الشرعية عادت كما يجب، وكلما حاولت أن تعود، ضُربت من حيث تدري ومن حيث لا تدري من مليشيا وتشكيلات مسلحة تغذيها أطراف في التحالف العربي، ومن دول التحالف التي تدخلت في اليمن تحت ذريعة إعادة الشرعية التي تواجه الأمرين في كل خطوة تُقدِم عليها دون رضاهم!

لم يعد التحالف العربي محل ثقة لدى غالبية اليمنيين، فهو تحالف قهري، بات اليمنيون يجعلونه في الكفة المقابلة للحوثيين ضمن ميزان المعاناة الذي يعاير حياتهم كل يوم، فالحرب اقتضت كل ما لم يكن في خلد اليمنيين منذ خلافة الإنسان على الأرض، وأظهرت الوجوه الحقيقية لدول الإنقاذ التي تعاملت معنا كتابعين لا كشركاء، فأهانتنا، وسلطت علينا وسائل الذل والضيم، ثم تركتنا في محنة الحرب الاقتصادية نواجه الجوع والموت وحدنا، فيما موانئنا معهم، ومطاراتنا تحت سيطرتهم، وثرواتنا لهم وحدهم، وذلك كله تحت عملية الإنقاذ التابعة لتحالف دعم الشرعية، الذي بات تحالفًا لقهر الشرعية وكل من يؤيدها، من خلال ما يقوم به على امتداد المساحات المحررة من البلاد.. لم يعودوا محل ثقة، بل وباتوا كأنهم محتلون جدد بأعذار واهية لا تقدم ولا تؤخر.. فقط سيستيقظون يومًا على انتفاضة يمنية لا ولن تغفر لهم ما فعلوه في بلادهم على مدى سنوات التدخل التي نشروا فيها القهر ولا سواه، وحققوا فيها مجمل أهدافهم القاصرة التي حولت اليمن إلى ساحة قتال دائمة الاشتعال.
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر