من غير المنطقي، أن نتحدث عن معركة استعادة الحديدة حديث العابرين، تمامًا كما تجري المعركة، فالحسبة هناك –على ما يبدو- تتجاوز الجغرافيا اليمنية بعقود من الزمن؛ لذا فالمعارك على امتداد الساحل التهامي والعمق المستحدث فيها، تبدو معارك متنقلةً، لا وجود لمسار فعلي، يمكن التأكد من خلال معطياته أن العملية تتجه نحو التحرير الشامل للمحافظة، إذ من التهور العسكري بمكان، وسوء التخطيط أن تقتحم قلب المدينة دون أطرافها وضواحيها، وهذا ما يحدث في الحديدة بالضبط.

في الطريق إلى الحديدة حررت القوات الحكومية الخوخة وحيس المدينة، وتركت بينهما منطقةً مساحتها 6 كيلو مترات، يقطنها 30 ألف إنسان، لا زالوا يعانون الويلات، بسبب التواجد الحوثي الذي منع عنهم حتى مياه الشرب بعد أن أوقف مشروع المياه الخاص بالمنطقة، وعلى طول الجبال المحيطة بحيس من جبل البراشى ودباس وجبل رأس يتمركز الحوثيون بأسلحتهم الثقيلة، ومنها يتخطفون المدنيين في حيس بقذائف الهاون القاتلة.. منذ تحريرها قبل أشهر لا تنعم حيس بالأمان، وتعاني مناطقها من كوارث إنسانية تصل حد المجاعة، حالها كحال المديريات التي ما زالت تحت سيطرة الحوثيين حتى اللحظة.

لا نستطيع التكهن عن حقيقة ما يجري في الأروقة ومن تحت الطاولات، وما الحبكة التي دُبّرت لاستعادة الحديدة بهكذا طريقة، فالتحيتا لم تتحرر كاملةً، وكذلك الدريهمي، ومناطق على امتداد الساحل تُركت عرضةً لصلف المليشيا وممارساتها الدنيئة.. المهم أنهم يصلون الحديدة، ولا قيمة للمناطق الأخرى التي تعاني منذ أربع سنوات، كأننا نشاهد معارك يتم تحديدها بطريقة إلكترونية كتطبيقات الألعاب في مقاهي الانترنت، يتقفزون من مكانٍ إلى آخر، رغم الضحايا المدنيين من قتلى ومشردين، فالإنسان عندهم لا قيمة له، كل ما يريدونه هو تحقيق انتصارات سرعان ما نكتشف أنها نزغات لحظية مصحوبة بالتهويل الإعلامي، خلال فترة زمنية محدودة، أضف لذلك أنها لا تُدار من الحكومة الشرعية، ولا علاقة عسكرية للشرعية بمعركة الحديدة، وهي بذلك في أيدي مرهونة لحسابات ضيقة، لها مآربها التي تتجاوز تخليص الإنسان اليمني من أسوأ كارثة في تاريخ البلاد!

من الأهمية بمكان أن يُعاد ترتيب الأوراق العسكرية في الحديدة، وتوضع أولويات منطقية على مستوى التحرير، وتصاحب العمليات القتالية بحملات إغاثية عاجلة وشاملة؛ لإنقاذ آلاف الأسر في الحديدة من موت حتمي بسبب ما يجري هناك، ولا ننسَ أن الناس هناك كان غالبيتهم يعتمدون على دخل يومي يوفرون به احتياجاتهم الضرورية، ودونها يعني الموت.

أما عدن هي الأخرى فقد ارتهنت منذ تحريرها للحسابات الضيقة، ولم تعد في مأمنٍ من الممارسات الغامضة للقوى المُحرِرة وقواها الداخلية، فالتصفيات ماضية في طريق إفراغ عدن من أبنائها الحاظين بدعم شعبي، ومَن يستطيعون تكوين رأي عام على المستوى الجماهيري.

لا تبدو عدن بخير، فقد أريد لها أن تجنح إلى الضلال، وتتستر بالجرائم اليومية، وتصبح مدينة قريبة من الظلام، لا بصيص فيها للدولة ومناصريها، ومن طالب بذلك وقع فريسة لأفكاره المدنية الحديثة ولمعتقداته بدولة عادلة تحوي الجميع، وتبسط سلطاتها على الكل، حيث أراد ما لا يريده المُحررون والمتحكمون بالأجهزة الأمنية والعسكرية في العاصمة المؤقتة للبلاد.

أضنتنا عدن بما يجري لها، وحجبت الرؤية عن التحرير؛ إن كان على طريقتها.. أنّى لعاصمة أن تُصادِق الفشل، وتقدم نموذجًا قاتمًا لأولى محافظات الجمهورية تحررًا من الجائحة الحوثية؟
كيف لها أن تتنكر للدولة وثوابتها وأسسها؟
ما الذي يحدث يا عدن؟
أسئلةٌ يُجيب عنها صداها، فيعيدها ثانيةً، كأنه صُدم من هول ما يُتساءل عنه، فعدن اليوم ليست عدن الأمس، ولم تعد لكل اليمنيين، ولا حتى للعدنيين أنفسهم، حتى وإن كانت عاصمة مؤقتة، فهي تقوم بدورها صوريًا، وعلى الأرض مدبوغة بالجراحات والدماء، ومطرزة بنزوات الانفصال المدعومة من دول تدّعي إنقاذ اليمن من دوّامة الحوثي وهاوية الانقلاب، وهي لا تفعل من ذلك شيئًا، إذ تكتفي بتكريس الفشل وتعميمه على كافة المؤسسات والجهات المتصلة بالعامة، وتزيد على ذلك بنشر الفوضى بعمليات التصفية والاغتيالات شبه اليومية، وتلك حالةٌ لا تبعد كثيرًا عن وضع معركة الحديدة ذات القواسم المشتركة مع وضعية عدن في الهيكلة الإدارية المسيّرة للأمور المدنية وفي القوى العسكرية المتحكمة بالشأن العام، وكلها تقود إلى فشل ذريع غير مفهوم، ولا مقصد من ورائه سوى استمرار اليمن في إطار الوضع الكارثي اقتصاديًا وعسكريًا وأمنيًا وسياسيًا واجتماعيًا وحتى على مستوى الثقافة والمعتقد، يحاولون ويحاولون، واليمنيون وحدهم من يدفعون الكُلفة، ليس في الحديدة وعدن وحدهما، بل في كل محافظات البلاد، وعليه فلا مؤشر لانتهاء حقبة الفشل؛ ما دام التحرير أكذوبة للاستهلاك، والإنقاذ دعاية إعلانية للترويج عن سياسات حديثة عنوانها القمع والضرب بيد من حديد لمن لا يُسلّم بما يُريدون!
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر