شكرًا غريفيث!


محمد علي محروس

يرى غريفيث أن الحرب في اليمن تختلف عنها في سوريا، لأن الحل وارد في سوريا بعكس اليمن التي تتضاءل فيها الحلول و تتفاقم الأزمة الإنسانية أكثر فأكثر، فهي أسوء من العراق وجنوب السودان.. بهذه الرؤية تم تعيين البريطاني مارتن غريفيث مبعوثًا ثالثًا لليمن، بعد استقالة سلفييه العربيين جمال بن عمر وإسماعيل ولد الشيخ، الذين فشلا في تحقيق تقدم ملموس سواء على مستوى المشاورات السياسية في جنيف1 وجنيف2  أو حتى فيما يتعلق بالتخفيف من وطأة الأزمة الإنسانية التي تجتاح البلاد منذ التمرد الحوثي في سبتمبر 2014م.

سبعة أشهر كاملة مرت من عمر غريفيث، كمبعوث أممي إلى اليمن، تجوّل فيها بين مسقط وصنعاء والرياض وعدن، بغية تقريب وجهات النظر بين الفرقاء اليمنيين، والنجاح فيما فشل فيه المبعوثين السابقين.. لكنه ما إن استطاع الحصول على موافقة من الجانبين، وأعلن على إثرها عقد مشاورات ثالثة في جنيف مطلع هذا الشهر، حتى اصطدم بشروط معقدة من قبل المتمردين الحوثيين الذين خلصوا إلى سلسلة من الشروط التصاعدية من موافقة إلى موافقة، حتى وصل معهم غريفيث إلى طريق مسدود، ليعلن تعليق المشاورات إلى موعد آخر، رافضاً تحميل وفد الحوثيين إفشال مساعيه، في مؤشر سلبي آخر للانحياز الأممي للمليشيا وانتهاكاتها المستمرة بحق الأرض والإنسان في اليمن.

لا يبدو الرجل على ما عُرف به من حنكة دبلوماسية، وعراقة في العمل السياسي، وخبرة على مستوى حل النزاعات، إذ ينشط في المجال منذ 2012م، وعمل خلال الفترة على حل عدد من الملفات في آسيا وإفريقيا، قبل أن يكون مسؤولاً للمكتب الأممي في دمشق.. فالملف اليمني ملف معقد للغاية، والمراقبون الدوليون يصفونه بأعقد ملفات الشرق الأوسط؛ في ظل تنامي حدة النزاع في الرقعة اليمنية، وموازاة ذلك بانهيار غير مسبوق على مستوى المعيشة والاقتصاد، مما خلّف وضعًا إنسانيًا كارثيًا طال ما يزيد عن 60% من سكان البلاد.

من المعيب في حق غريفيث كخبير في القضايا العربية، أن يفشل كل هذا الفشل في أول فعالية له لتقريب وجهات النظر اليمنية، والمضي قدمًا بالملف اليمني نحو حل سياسي مُلزِم؛ لطالما تباهى بالحديث عنه، وتبنيه كمشروع وجب تنفيذه، لكنه فشل في إقناع وفد المتمردين للسفر من صنعاء إلى جنيف، رغم التسهيلات المعلنة، والتنازلات المقدمة من وفد الشرعية الذي انتظر يومين كاملين، والتعاطي التام مع مطالبهم من الأمم المتحدة!

يبدو أنه وصل إلى خط زمني وجب فيه إعادة ضبط ساعته الأممية، فالبقاء على قيد الحياد كل هذه المدة يجعل الوضع كارثيًا للغاية، ويشجع الجماعة للتمدد أكثر  في عملياتها الانتهازية بحق اليمنيين، والاستمرار في مسلسل الممارسات الوحشية التي جعلت البلد على حافة الفشل التام، في ظل تنامي الانهيار الاقتصادي، وضعف القيمة السوقية للريال أمام الدولار.

هذه الحالة مؤقتة إذا ما كانت هناك ردة فعل حقيقية على الأرض، فالوفد الحكومي تعرض للإهانة ببقائه يومين انتظارًا لوفد المتمردين الحوثيين، وخلال اليومين كانت التصريحات الإعلامية تؤكد مغادرة الوفد الشرعي إذا لم يصل الحوثيون في الموعد المحدد، ولم يحدث شيء من هذا القبيل، فالمغادرة كانت متأخرة، بل أعقبت إعلان المبعوث الأممي تأجيل المشاورات، وعدم تحميله المتمردين إفشالها، ودفاعه عنهم بأنهم كانوا متحمسين للغاية ودفعوا بقوة نحو أن يكون الجميع في جنيف!

ردة الفعل لدى الحكومة الشرعية اقتضت تحريك العجلة العسكرية في الحديدة، فالمحافظة الإستراتيجية وقعت ضحية السجال السياسي والعسكري، ولولا الأمم المتحدة لكانت الحديدة تتنفس عبير الحرية.. وها هي اليوم في ذات الاتجاه للحصول على صك الخلاص من قبضة المتمردين الحوثيين، ولن يجد الحوثيون والأمم المتحدة عذراً آخر  لانعقاد مشاورات أخرى، فباستعادة الحديدة، ستصبح المعادلة معقدة لدى الانقلابيين؛ إذ لا منفذ بحري، ولا موارد حيوية تذكر، وسيصبحون مختنقين أكثر من أي وقت مضى، ولكنهم بغبائهم المعهود لا يحسبون حسابًا حقيقيًا لكل هذه المعطيات الفعلية على الأرض.

شكرًا مارتن غريفيث لأنك فشلت في تسويق المليشيا أمام العالم كما فعل بن عمر وولد الشيخ حين أحضروهم إلى جنيف، وشكرًا لأنك بجولاتك المكوكية عجزت عن إقناع وفد المليشيا للخروج من صنعاء، فكانت النتيجة تفعيل معركة استعادة الحديدة، وشكرًا أيضًا لأنك حدّثت وجه الأمم المتحدة، التي تتعامل مع القضية اليمنية باستخفاف مطلق، من فسح المجال للحوثيين ليعيثوا في الأرض فسادًا، ورفدهم بتقارير مؤيدة، تستثنيهم وتبرأهم من الحالة المستعصية التي تمر بها اليمن بفعل انقلابهم المشين منذ أربع سنوات.. شكرًا غريفيث لأنك بت قاب قوسين أو أدنى من فشل ثالث مبعوث أممي، يمضي على درب سلفيه، والسفينة تغرق، فيكتفي بالإحاطات، والنأي بالمنظومة الأممية عن النفس، ثم يصف الأزمة بأعقد أزمات الشرق الأوسط.!
 

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر