على الرغم من الثورة التقنية والمعلوماتية التي ساهمت فيها منصات التواصل الاجتماعي، والحرية اللامحدودة في تبادل الرؤى والأفكار، إلا إنها حتى الآن تفتقر للمعيار القيمي في تداول وإنتاج المحتوى، والقيمة الحقيقية لرواد ومحتوى هذه المنصات.
 
تحوي منصات التواصل الاجتماعي، مئات الملايين من المستخدمين، وأضعافها من المنشورات التفاعلية، وما يتبعها من الإعجابات والتعليقات والمشاركات، لكن ثمة حسابات معينة ومحتوى معيّن يتصدر ملايين أو عشرات آلاف المتابعات، بعضها يستحق ذلك، وبعضها لا يستحق ذلك لولا وجود عوامل كثيرة، منها خاصية التمويل للوصول إلى الجمهور المستهدف وفق آلية معينة تحددها منصات التواصل الاجتماعي.
 
تشكّل الصفحات والمنشورات الممولة، وسيلة سهلة لإيصال المحتوى ونشره على نطاق واسع، ويستوي في ذلك الغث والثمين، والمشكلة هنا تكمن في عدم توفر معايير  مقبولة يمكن من خلالها تفعيل خاصية التمويل من عدمها للمحتوى والصفحات المختلفة، لأن التمويل بصورته الحالية يعتمد بدرجة أساسية على الربح المادي لمالكي منصات التواصل، بعيدا عن أي ضوابط أو أخلاقيات تراعى مصلحة الجمهور، لكن المتابع لمنصات التواصل الاجتماعي يلاحظ وجود وعي جماهيري متصاعد في التفاعل مع المحتوى الممول، سلبا وإيجابا. 
 
بعيدا عن خاصية التمويل للمحتوى، فإن هناك أزمة قيمية حقيقية تجتاح العالم الافتراضي في منصات التواصل الاجتماعي، يمكن إدراكها من خلال القضايا التي تتصدر اهتمامات المستخدمين، والتفاعل المهول مع هذه القضايا، فأصبح مرض راقصة مشهورة أهم من مجزرة مروعة بحق عشرات الضحايا، وألبوم الفنان الفلاني الجديد أهم من وفاة آلاف المواطنين في أقبية المخابرات، وتناول إيفانكا ترمب للقهوة السعودية أهم من إقدام ترامب نفسه على فتح سفارة له في القدس، وسقوط فنانة من خشبة المسرح أهم من سقوط أربع عواصم عربية بيد إيران، وهذا إنما يعكس وجود خلل كبير في ترتيب الاهتمامات لدى الفرد المسلم، نتيجة تراكمات سابقة.
 
وإذا ما وضعنا بعين الاعتبار اختلاف الذائقة الإنسانية من إنسان لآخر، بفعل التيار الدخيل، يصبح من الممكن تبرير جزء من الأزمة الأخلاقية فيما دون العقيدة، لكن من غير الممكن تبرير المحتوى التصادمي والمتنافي مع العقيدة الإسلامية تحت ذريعة حرية الرأي أو تبادل الأفكار أو الانفتاح على الآخر، وجميعنا يعلم أن الغرب المنفتح يجرّم كل من يشكك في المحرقة اليهودية، مع إنها حادثة تاريخية مطعون في صحتها من مؤرخين كثر، وليست وحيا إلهيا منزلا، كما أن الغرب المنفتح لا يمكن أن يسمح بانتشار الثقافة والأفكار الإسلامية في أراضيه تحت دعوى الانفتاح التي يرددها الكثير من الحداثيين في أراضينا.
 
كما يبرز جانب آخر من الأزمة القيمية في منصات التواصل الاجتماعي، تتمثل في انتشار ظاهرة التقليد الأعمى لأنماط الحياة في العالم الغربي، التي تتنافى مع معتقدنا وقيمنا الإسلامية الأصيلة، حتى وصل البعض إلى تقليد الأفعال والحركات الهزيلة كتحدي رقصة كيكي، وتحدي زوم وقس على ذلك الكثير من توافه الأمور، التي أضحت محل إعجاب وتفاعل آلاف الشباب والمراهقين.
 
وحتى منصات التواصل الاجتماعي، التي تعتبر إنجازا غربيا متميزا، إلا إنها لا تستطيع حتى الآن أن تخرج عن طوع السياسات الغربية في المنطقة العربية والإسلامية، وكمثال على ذلك تنسيق شركة فيسبوك مع الكيان الصهيوني في حذف المحتوى الفلسطيني المناهض لإسرائيل في فيسبوك، وحذف يوتيوب المتكرر لفيديوهات وحسابات المقاومة الفلسطينية، بدعاوى وذرائع غير منطقية. 
 
المحتوى التافه والشخصيات التافهة تشكّل أيضا جزءا من أزمة تقييم المحتوى في منصات التواصل الاجتماعي، وتغييب المحتوى الهادف والشخصيات الأكاديمية والعلمية، التي  يغلب على بعضها العزوف عن منصات التواصل، وهو ما أتاح لشخصيات تافهة تصدر نسب المتابعة والمشاهدة لدى الجمهور الذي يبحث عادة عن الترفيه، ولو كان منافيا للقيم ومتصادما مع المبادئ ودون المستوى المطلوب.
 
وإذا كان ميزات منصات التواصل وجود نوع من المساواة بين المستخدمين، إلا إن هذه المساواة أفرزت تصدر شخصيات هلامية للتحدث باسم العامة مما لا يدخل في نطاق الاختصاص، وهذا الأمر ينعكس سلبا أكثر منه إيجابا، وربما يسهم في تأجيج القضايا والمشكلات بدل حلها، وهذه الشخصيات الهلامية ساهمت كثيرا في تغييب العامة عن قضاياهم المصيرية وأشغلتهم بقضايا ساذجة، أضحت عظيمة بأضعاف حجمها الحقيقي الذي يجب أن يكون.
 
تفتقر منصات التواصل الاجتماعي في صورتها الحالية للضوابط والأخلاقيات واحترام الخصوصيات، فإضافة لكونها منصات للتجسس وتسهيل التجسس على المستخدمين كما في فضيحة كامبريدج أناليتيكا وانتهاك خصوصية 87 مليون مستخدم دون موافقتهم، فهي أيضا لا تستطيع أيضا حماية المحتوى من السرقة الفكرية، ولا تستطيع أيضا حماية المستخدم من التضليل الذي تضطلع به ملايين الحسابات الحقيقية والوهمية من نشر الشائعات والأخبار غير الدقيقة، كما أن هذه المنصات تمارس الإقصاء بحق شخصيات لها وزنها استنادا إلى خاصية الإبلاغ عن المحتوى، وغير ذلك الكثير مما يندرج ضمن أزمة القيمية والقيمة في هذه المنصات.
 
منصات التواصل الاجتماعي عالم جميل، لكنه يفتقر للأخلاقيات، وهنا يأتي الدور على المستخدم للعمل على تحسين خدمات منصات التواصل، والتحذير من المحتوى الغير مناسب، ويجب ألا ننسى أن منصات التواصل صناعة غربية، وهو ما يحتم علينا التعامل معها بحذر وحرص شديدين، استنادا إلى عقيدتنا وقيمنا الأصيلة، لا أهوائنا وعواطفنا.

مشاركة الصفحة:

آخر الأخبار

فيديو


اختيار المحرر